العيني
71
عمدة القاري
تعالى عنه : إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، من عشور نحله فاحم له سلبة ، وإلاَّ فإنما هو ذباب غيث يأكله من شاء . وسلبة ، بفتح السين المهملة واللام والباء الموحدة ، كذا قيده البكري . وقال شيخنا زين الدين : ووقع في سماعنا من السنن ، بسكون اللام ، وقال شيخنا أيضا : حكى الترمذي عن أكثر أهل العلم وجوب الزكاة في العسل ، وسمى منهم : أحمد وإسحاق ، وفيه نظر ، فإن الذين لم يقولوا بالوجوب : مالك والشافعي وسفيان الثوري ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والحسن بن صالح بن حي وأبو بكر بن المنذر وداود ، وبه قال من الصحابة : عبد الله بن عمر ، ومن التابعين : المغيرة بن حكيم وعمر بن عبد العزيز . وقال : وفرق أبو حنيفة بين أن يكون النحل في أرض العشر وبين أن يكون في أرض الخراج ، فإن كان في أرض العشر ففيه الزكاة ، وإن كان في أرض الخراج فلا زكاة فيه ، قل أو كثر . وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه إذا كان في أرض العشر ففي قليل العسل وكثيره العشر ، وحكى عن أبي يوسف ومحمد أنه ليس فيما دون خمسة أوسق من العسل عشر ، وحكى ابن حزم عن أبي يوسف أنه إذا بلغ العسل عشرة أرطال ففيه رطل واحد ، وكذا ما زاد ففيه العشر ، والرطل هو الفلفلي . قال : وقال محمد بن الحسن : إذا بلغ العسل خمسة أفراق ففيه العشر ، وإلاَّ فلا . قال : والفرق ستة وثلاثون رطلاً فلفلية . وحكى صاحب ( الهداية ) عن أبي يوسف : أنه يعتبر فيه القيمة كما هو أصله ، وعنه : أنه لا شيء فيه حتى يبلغ عشر قرب ، وعنه : خمسة أمناء . قلت : تحقيق مذهبنا فيه أن عند أبي حنيفة : يجب في قليله وكثيره لأنه لا يشترط النصاب في العشر ، وعن أبي يوسف : إذا بلغت قيمته خمسة أوساق ، وعنه أنه قدره بعشرة أرطال ، قال في ( المبسوط ) : وهي رواية الأمالي ، وهي : خمسة أمناء . وعنه أنه اعتبر فيه عشر قرب ، وعن محمد ثلاث روايات إحداها : خمس قرب ، والقربة خمسون منا ، ذكره في ( الينابيع ) وفي ( المغني ) : القربة مائة رطل . والثانية : خمسة أمناء . والثالثة : خمسة أواق . وقال السرخسي : وهي تسعون منا . واحتجت أصحابنا بما رواه ابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه أخذ من العسل العشر ، وبرواية أبي داود أيضا عن عمرو بن شعيب ، وقد ذكرناه ، وبما رواه القرطبي أيضا عنه عمرو بن شعيب عن أبيه عن حده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤخذ في زمانه من قرب العسل من كل عشر قرب قربة من أوسطها . قال : هو حديث حسن . وبما رواه الترمذي أيضا عن ابن عمر ، وقد ذكرناه ، وبما رواه أبو هريرة عن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ عن العسل العشر ، ذكره في ( الإمام ) . فإن قلت : ذكروا عن معاذ ، رضي الله تعالى عنه ، أنه سئل عن العسل في اليمن ؟ قال : لم أومر فيه بشيء . قلت : لا يلزم من عدم أمر معاذ أن لا يجب فيه العشر ، وإثبات أبي هريرة مقدم على نفي أمر معاذ . وبما رواه عبد الرحمن بن أبي ذئاب عن أبيه : أن عمر ، رضي الله تعالى عنه ، ( أمره في العسل بالعشر ) ، رواه الأثرم ، ورواه الشافعي في ( مسنده ) والبزار والطبراني والبيهقي . قال الشافعي : أخبرنا أنس بن عياض عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبي ذئاب عن أبيه ( عن سعد بن أبي ذئاب ، قال : قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت ، ثم قلت : يا رسول الله اجعل لقومي ما أسلموا عليه من أموالهم ، ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعملني عليهم ، ثم استعملني أبو بكر وعمر ، رضي الله تعالى عنهما ، قال : وكان سعد من أهل السراة ، قال : تكلمت قومي في العسل فقلت زكاة فإنه لا خير في ثمرة لا تزكى ، فقالوا : كم ؟ قال : قلت : العشر ، فأخذت منهم العشر وأتيت عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنه ، فأخبرته بما كان ، قال : فقبضه عمر فباعه ثم جعل ثمنه في صدقات المسلمين ) . وبما رواه عطاء الخراساني عن سفيان بن عبد الله الثقفي ، قال لعمر : إن عندنا واديا فيه عسل كثير ، فقال : عليهم في كل عشرة أفراق فرق ، ذكره حميد بن زنجويه في ( كتاب الأموال ) وقال الأثرم : قلت لأحمد : أخذ عمر العشر من العسل كان على أنهم تطوعوا به ، قال : لا بل أخذه منهم حقا . فإن قلت : فقد روي عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر ، قال : ليس في الخيل ولا في الرقيق ولا في العسل صدقة ؟ قلت : العمري ضعيف لا يحتج به . فإن قلت : قال البخاري : ليس في زكاة العسل حديث يصح ؟ قلت : هذا لا يقدح ما لم يبين علة الحديث والقادح فيه ، وقد رواه جماعة منهم أبو داود ، ولم يتكلم عليه ، فأقل حاله أن يكون حسنا وهو حجة ، ولا يلزمنا قول البخاري لأن الصحيح ليس موقوفا عليه ، وكم من حديث صحيح