العيني

29

عمدة القاري

وقَدْ سَمِعْتُ ما قُلْتُ وَإنِّي أرَى أنْ تَجْعَلَهَا في الأقْرَبِينَ فقال أبُو طَلْحَةَ أفْعَلُ يا رسولَ الله فَقَسَمَها أبُو طَلْحَةَ في أقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ . . مطابقته للترجمة تفهم مماذ ذكرنا الآن ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وإسحاق هذا ابن أخي أنس بن مالك ، وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري في الوصايا عن عبد الله بن يوسف ، وفي الوكالة عن يحيى بن يحيى ، وفي الوصايا وفي الإشربة عن القعنبي ، وفي التفسير عن إسماعيل . وأخرجه مسلم في الزكاة عن يحيى ابن يحيى . وأخرجه النسائي في التفسير عن هارون بن عبد الله . ذكر معناه : قوله : ( أكثر الأنصار ) ، بالنصب لأنه خبر : كان . قوله : ( مالاً ) ، نصب على التمييز أي : من حيث المال ، وكلمة : من ، في : ( من نخل ) للبيان . قوله : ( بيرحاء ) ، اختلفوا في ضبطه على أوجه جمعها ابن الأثير في ( النهاية ) فقال : يروى بفتح الباء الموحدة ، وبكسرها ، وبفتح الراء وضمها ، وبالمد والقصر ، وفي رواية حماد بن سلمة : بريحا ، بفتح أوله وكسر الراء وتقديمها على الياء آخر الحروف ، وفي ( سنن أبي داود ) بأريحاء ، مثله لكن بزيادة ألف . وقال الباجي : أفصحها بفتح الباء وسكون الياء وفتح الراء مقصور ، وكذا جزم به الصغاني . وقال : إنه فيعلاً من : البراح . قال : ومن ذكره بكسر الباء الموحدة وظن أنها : بئر ، من أبار المدينة فقد صحف . وقال القاضي : روينا بفتح الباء والراء وضمها مع كسر الباء ، ومنهم من قال : من رفع الراء وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ . وقال : وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس ، والروايات فيه القصر ، وروينا أيضا بالمد ، وهو حائط سمي بهذا الاسم وليس اسم بئر ، وقال التيمي : هو بالرفع اسم كان ( وأحب ) خبره ، ويجوز بالعكس و : حا ، مقصور كذا المحفوظ ، ويجوز أن يمد في اللغة ، يقال : هذه حاء بالقصر والمد ، وقد جاء : حا ، في اسم قبيلة ، وبير حاء ، بستان . وكانت بساتين المدينة تدعى بالآبار التي فيها أي البستان التي فيه بئر حا ، أضيف البئر إلى : حا ، ويروى : بير حا ، بفتح الباء وسكون التحتانية وفتح الراء ، هو اسم مقصور ولا يتيسر فيه إعراب ، أي : فهو كلمة واحدة لا مضاف ولا مضاف إليه . قال : ويجوز أن يكون في موضع رفع ، وأن يكون في موضع نصب ، ويروى : ( وأن أحب أموالي بير حا ) ، فعلى هذا محله رفع وهو اسم بستان ، وقال ابن التين : قيل : حا ، اسم امرأة ، وقيل : اسم موضع وهو ممدود ويجوز قصره . وفي ( معجم أبي عبيد ) : حا ، على لفظ حرف الهجاء موضع بالشام ، و : حا ، آخر ، موضع بالمدينة ، وهو الذي ينسبه إليه بئر حا ، ورواه حماد بن سلمة عن ثابت ، أريحا ، خرجه أبو داود ولا أعلم أريحا إلاَّ بالشام . وقيل : سميت بيرحا ، بزجر الإبل عنها ، وذلك أن الإبل إذا زجرت عن الماء ، وقد رويت : حاحا ، وقيل : بير حا ، من البرح والياء زائدة . وفي ( المنتهى ) : بيرح اسم رجل ، زاد في ( الواعي ) : الياء فيه زائدة . قوله : ( وكانت ) أي : بيرحا ( مستقبلة المسجد ) أو مقابلته ، وقال النووي : وهذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة ، بفتح الجيم وكسر الدال المهملة ، قبلي المسجد ، وفي ( التلويح ) : هو موضع بقرب المسجد يعرف بقصر بني حديلة ، وضبطها بالكتابة : بضم الحاء المهملة وفتح الدال . قلت : الصواب بالجيم . قوله : ( من ماء فيها ) أي : في بيرحا . قوله : ( طيب ) بالجر لأنه صفة للماء . قوله : ( فلما أنزلت هذه الآية ) وهي قوله تعالى : * ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) * ( آل عمران : 29 ) . قال ابن عباس في رواية أبي صالح : لن تنالوا ما عند الله من ثوابه في الجنة حتى تنفقوا مما تحبون من الصدقة ، أي : بعض ما تحبون من الأموال . وقال الضحاك : يعني لن تدخلوا الجنة حتى تنفقوا مما تحبون ، يعني : تخرجون زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم ، وفي رواية عن ابن عباس : هذه الآية منسوخة ، نسختها آية الزكاة . قوله : * ( وما تنفقوا من شيء ) * ( آل عمران : 29 ) . يعني : الصدقة وصلة الرحم ، * ( فإن الله به عليم ) * ( آل عمران : 29 ) . أي : ما يخفى عليه فيثيبكم عليه ، وروي عن عبد الله ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، أنه اشترى جارية جميلة وهو يحبها ، فمكثت عنده أياما فأعتقها فزوجها من رجل فولد لها ولد ، فكان يأخذ ولدها ويضمه إلى نفسه ، فيقول : إني أشم منك ريح أمك . فقيل له : قد رزقك الله من حلال فأنت تحبها فلم تركتها ؟ فقال : ألم تسمع هذه الآية : * ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) * ( آل عمران : 29 ) . ذكره أبو الليث السمرقندي في ( تفسيره ) وذكر أيضا عن عمر بن عبد العزيز ، رضي الله تعالى عنه ، أنه كان يشتري أعدالاً من سكر ويتصدق به ، فقيل له : هلا تصدقت بثمنه ؟ فقال : لأن السكر أحب إلي ، فأردت أن أنفق مما أحب . قوله : ( قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم )