العيني

30

عمدة القاري

أي : قام أبو طلحة منتهيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ( برها ) ، أي : خيرها ، والبر اسم جامع لأنواع الخيرات والطاعات ، ويقال أرجو ثواب برها . قوله : ( وذخرها ) أي : أقدمها فأدخرها لأجدها هناك ، وعن ابن مسعود : البر في الآية : الجهة ، والتقدير على هذا : أبواب البر . قوله : ( بخ ) ، هذه كلمة تقال عند المدح والرضى بالشيء وتكرر للمبالغة ، فإن وصلت خففت ونونت وربما شددت كالاسم ، ويقال بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة ، وقال القاضي : حكي بالكسر بلا تنوين ، وروي بالرفع ، فإذا كررت فالاختيار تحريك الأول منونا وإسكان الثاني ، وقال ابن دريد : معناه تعظيم الأمر وتفخيمه ، وسكنت الخاء فيه كسكون اللام في : هل وبل ، ومن نونه شبهه بالأصوات : كصه ومه ، وفي ( الواعي ) : قال الأحمر : في بخ أربع لغات : الجزم والخفض والتشديد والتخفيف . وقال ابن بطال : هي كلمة إعجاب ، وقال ابن التين : هي كلمة تقولها العرب عند المدح والمحمدة ، وقال القزاز : هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء العظيم ، وكلها متقاربة في المعنى . قوله : ( مال رابح ) بالباء الموحدة أي : يربح فيه صاحبه في الآخرة ، ومعناه : ذو ربح كلابن وتامر ، أي : ذو لبن وذو تمر ، وقال ابن قرقول : وروي بالياء المثناة من تحت من الرواح يعني : يروح عليه أجره . وقال ابن بطال : والمعنى أن مسافته قريبة وذلك أنفس الأموال . وقيل : معناه يروح بالأجر ويغدو به ، واكتفى بالرواح عن الغدو ، ولعلم السامع ، ويقال : معناه أنه مال رائح ، يعني من شأنه الرواح أي : الذهاب والفوات فإذا ذهب في الخير فهو أولى . وقال القاضي : وهي رواية يحيى بن يحيى وجماعة ، ورواية أبي مصعب وغيره بالباء الموحدة . وقال ابن قرقول : بل الذي رويناه ليحيى بالباء المفردة ، وهو ما في مسلم ، وفي ( التلويح ) : يحيى الذي أشار إليه ابن قرقول يحيى الليثي المغربي ، ويحيى الذي في البخاري هو النيسابوري ، وقال أبو العباس الواني في كتابه ( أطراف الموطأ ) : في رواية يحيى الأندلسي بالباء الموحدة ، قال : وتابعه روح بن عبادة وغيره ، وقال يحيى بن يحيى النيسابوري وإسماعيل وابن وهب وغيرهم : رائح ، بالهمزة من الروح ، وشك القعنبي فيه ، وقال الإسماعيلي : من قال رابح ، بالباء ، فقد صحف . قوله : ( وقد سمعت ما قلت ) بوب عليه البخاري في الوكالة : باب إذا قال الرجل لوكيله ضعه حيث أراك الله ، وقال الوكيل : قد سمعت ، وقال المهلب : دل على قبوله صلى الله عليه وسلم ما جعل إليه أبو طلحة ، ثم رد الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه فيمن يضعها . قوله : ( أفعل ) . قال السفاقسي : هو فعل مستقبل مرفوع ، وقال النووي : يحتمل أن يقول : إفعل أنت ذاك فقد أمضيته على ما قلت ، فجعله أمرا . قوله : ( في أقاربه ) الأقارب جمع : الأقرب ، وقالت الفقهاء : لو قال : وقفت على قرابتي ، يتناول الواحد ، ويقال : هم قرابتي وهو قرابتي ، وفي ( الفصيح ) : ذو قرابتي للواحد وذو قرابتي للإثنين وذو قرابتي للجمع ، والقرابة والقربى في الرحم . وفي ( الصحاح ) : والقرابة القربى في الرحم ، وهو في الأصل مصدر تقول : بيني وبينه قرابة وقرب وقربى ومقربة ومقربة وقربة وقربة ، بضم الراء ، وهو قربى وذو قرابتي وهم أقربائي وأقاربي ، والعامة تقول : هو قرابتي وهم قراباتي . قوله : ( وبني عمه ) ، من باب عطف الخاص على العام ، فافهم . ذكر ما يستفاد منه فيه : أن الرجل الصالح قد يضاف إليه حب المال وقد يضيفه هو إلى نفسه ، وليس في ذلك نقيصة عليه . وفيه : اتخاذ البساتين والعقار ، وقال ابن عبد البر : وفيه رد لما يروى عن ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، إنه قاال : ( لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا ) . وفيه : إباحة دخول العلماء البساتين . وفيه : دخول الشارع حوائط أصحابه وشربه من مائها . وفيه : أن كسب العقار مباح إذا كان حلالاً ولم يكن بسبب ذل ولا صغار ، فإن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، كره كسب أرض الخراج ولم ير شراها ، وقال لا تجعل في عنقك صغارا . وفيه : إباحة شرب من ماء الصديق وكذا الأكل من ثماره وطعامه . قال أبو عمر : إذا علم أن نفس صاحبه تطيب بذلك . وفيه : دلالة للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال : إن الله تبارك وتعالى يقول ، كما يقال : ءن الله تعالى قال ، خلافا لما قاله مطرف بن عبد الله بن الشخير ، إذ قال : لا يقال الله وتعالى يقول ، إنما يقال : قال الله ، أو الله ، عز وجل ، كأنه ينجر إلى استئناف القول . وقول الله قديم ، وكأنه ذهل عن قوله عز وجل * ( والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ) * ( الأحزاب : 4 ) . وفيه : استعمال ظاهر الخطاب وعمومه ، ألا ترى أن أبا طلحة حين سمع : * ( لن تنالوا البر ) * ( آل عمران : 29 ) . لم يحتج أن يقف حتى يرد عليه البيان عن الشيء الذي يريد الله عز وجل ، أن ينفق عباده منه إما بآية أو سنة تبين ذاك .