العيني
54
عمدة القاري
مطابقته للترجمة من حيث اشتماله على الكفن في القميص ، وذلك أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أعطى قميصه لعبد الله ابن أبي وكفن فيه . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، ويحيى بن سعيد هو القطان ، وعبيد الله بن عمر العمري . وأخرجه البخاري أيضا في اللباس عن صدقة بن الفضل . وأخرجه مسلم في اللباس وفي التوبة عن محمد بن المثنى وأبي قدامة . وأخرجه الترمذي في التفسير عن محمد بن بشار . وأخرجه النسائي فيه وفي الجنائز عن عمرو بن علي . وأخرجه ابن ماجة فيه عن أبي بشر بكر بن خلف . ذكر معناه : قوله : ( أن عبد الله بن أبي ) ، بضم الهمزة وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف : ابن سلول رأس المنافقين ، وأبي هو : أبو مالك بن الحارث بن عبيد ، وسلول امرأة من خزاعة ، وهي أم أبي مالك بن الحارث وأم عبد الله ابن أبي : خولة بنت المنذر بن حرام من بني النجار ، وكان عبد الله سيد الخزرج في الجاهلية ، وكان عبد الله هذا هو الذي تولى كبره في قصة الصديقة ، وهو الذي قال : ليخرجن الأعز منها الأذل . وقال : لا تنفقوا علي من عند رسول الله حتى ينفضوا ، ورجع يوم أحد بثلث العسكر إلى المدينة بعد أن خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( لما توفي ) قال الواقدي : مرض عبد الله بن أبي في ليال بقين من شوال ، ومات في ذي القعدة سنة تسع منصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك ، وكان مرضه عشرين ليلة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده فيها ، فلما كان اليوم الذي توفي فيه دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجود بنفسه ، فقال : قد نهيتك عن حب اليهود ، فقال : قد أبغضهم أسعد بن زرارة فما نفعه ، ثم قال : يا رسول الله ليس هذا بحين عتاب هو الموت فإن مت فاحضر غسلي وأعطني قميصك الذي يلي جسدك فكفني فيه وصل علي واستغفر لي ، ففعل ذلك به رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال الحاكم : كان على النبي صلى الله عليه وسلم قميصان ، فقال عبد الله : وأعطني قميصك الذي يلي جسدك فأعطاه إياه . وفي حديث الباب أن ابنه هو الذي أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه على ما يجيء الآن . قوله : ( جاء ابنه ) أي : ابن عبد الله بن أبي ، وكان اسمه : الحباب ، بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وفي آخره باء أيضا ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعبد الله كاسم أبيه ، وهو من فضلاء الصحابة وخيارهم ، شهد المشاهد واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، وكان أشد الناس على أبيه ، ولو أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لضرب عنقه . قوله : ( فقال : أعطني قميصك ) ، القائل هو عبد الله بن عبد الله بن أبي . قوله : ( أكفنه فيه ) أي : أكفن عبد الله بن أبي فيه . قوله : ( فأعطاه قميصه ) أي : أعطي النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عبد الله قميصه ، وهذا صريح في أن ابنه هو الذي أعطى له رسول الله قميصه ، وفي رواية للبخاري : عن جابر ، رضي الله تعالى عنه ، على ما سيأتي ، إن شاء الله تعالى ، أنه أخرج بعدما أدخل حفرته فوضعه على ركبته ونفث فيه من ريقه وألبسه قميصه ، وكان أهل عبد الله بن أبي خشوا على النبي صلى الله عليه وسلم المشقة في حضوره ، فبادروا إلى تجهيزه قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما وصل وجدهم قد دلوه في حفرته ، فأمرهم بإخراجه إنجازا لوعده في تكفينه في القميص والصلاة عليه . فإن قلت : في رواية الواقدي : إن عبد الله بن أبي هو الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم القميص ، وفي رواية البخاري أن ابنه هو الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية جابر أنه ألبسه قميصه بعدما أخرجه من حفرته ؟ قلت : رواية الواقدي وغيره لا تقاوم رواية البخاري ، وأما التوفيق بين رواتي ابن عمر وجابر رضي الله تعالى عنهم ، فقيل : إن معنى قوله في حديث ابن عمر : فأعطاه ، أي : أنعم له بذلك ، فأطلق على الوعد اسم العطية مجازا لتحقق وقوعها . وقال ابن الجوزي ، يجوز أن يكون أعطاه قميصين قميصا للكفن ثم أخرجه فألبسه غيره ، والله أعلم . فإن قلت : ما الحكمة في دفع قميصه له وهو كان رأس المنافقين ؟ قلت : أجيب عن هذا بأجوبة . فقيل : كان ذلك إكراما لولده . وقيل : لأنه ما سئل شيئا فقال : لا . وقيل : إنه صلى الله عليه وسلم قال : إن قميصي لن يغني عنه شيئا من الله ، إني أؤمل من أبيه أن يدخل في الإسلام بهذا السبب ، فروى أنه أسلم من الخزرج ألف ما رأوه يطلب الاستشفاء بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه ، وقال أكثرهم : إنما ألبسه قميصه مكافأة لما صنع في إلباس العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم قميصه يوم بدر ، وكان العباس طويلاً فلم يأت عليه إلاَّ قميص ابن أبي ، وروى عبد بن حميد عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم : لم يخدع إنسانا قط ، غير أن ابن أبي قال يوم الحديبية كلمة حسنة ، وهي : أن الكفار قالوا : لو طفت أنت بالبيت ؟ فقال : لا ، لي في رسول الله إسوة حسنة ، فلم يطف . قوله : ( فقال : آذني ) أي : أعلمني ، وهو أمر من : آذن ويؤذن إيذانا . قوله : ( أصلِّ عليه ) يجوز فيه الوجهان : الجزم جوابا للأمر ، وعدم الجزم استئنافا .