العيني

55

عمدة القاري

قوله : ( فقال : أليس الله نهاك ؟ ) أي : فقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم : أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين ؟ وكلمة : أن ، مصدرية تقديره نهاك من الصلاة عليهم ، أخذ ذلك عمر ، رضي الله تعالى عنه ، من قوله تعالى : * ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) * ( التوبة : 08 ) . وبهذا يدفع من يستشكل في قول عمر ، رضي الله تعالى عنه ، هذا فإن قوله تعالى : * ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) * ( التوبة : 48 ) . نزل بعد ذلك كما يقتضيه سياق حديث الباب . فإن قلت : ليس فيه الصلاة ؟ قلت : لما كانت الصلاة تتضمن الاستغفار وغيره أولها على ذلك ، وقال الإسماعيلي : الاستغفار والدعاء يسمى صلاة . قوله : ( أنا بين خيرتين ) ، تثنية خيرة على وزن : عنبة اسم من قولك : اختاره الله ، أي : أنا مخير بين أمرين وهما الاستغفار وعدمه ، فإيهما أردت اختاره . وقال الداودي : هذا اللفظ أعني قوله : ( أنا بين خيرتين ) ، غير محفوظ لأنه خلاف ما رواه أنس ، وأرى رواية أنس هي المحفوظة ، لأنه قال هناك : ( أليس قد نهاك الله تعالى أن تصلي على المنافقين ) ؟ ثم قال : فنزلت : * ( ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ) * ( التوبة : 48 ) . جعل النهي بعد قوله : ( أليس قد نهاك ) ، وقال صاحب ( التوضيح ) بل هو أي : قوله : ( أنا بين خيرتين ) محفوظ ، وكان عمر ، رضي الله تعالى عنه ، فهم النهي من الاستغفار لاشتمالها عليه . وقال صاحب ( التلويح ) : الصحيح ما رواه أنس ، رضي الله تعالى عنه ، وإنما فعل ذلك رجاء التخفيف . قوله : * ( قال استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة ) * ( التوبة : 48 ) . ذكر السبعين على التكثير . وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال : لأستغفرن لهم أكثر من سبعين فنزلت : * ( سواء عليهم استغفرت لهم ) * ( المنافقون : 6 ) . الآية ، فتركه . واستغفار الشارع لسعة حمله عمن يؤذيه أو لرحمته عند جريان القضاء عليهم ، أو إكراما لولده . وقيل : معنى الآية الشرط ، أي : إن شئت فاستغفر وإن شئت فلا ، نحو قوله تعالى : * ( قل انفقوا طوعا أو كرها لن يتقبل منكم ) * ( التوبة : 35 ) . وقيل : معناه هما سواء ، وقيل : معناه المبالغة في اليأس . وقال الفراء : ليس بأمر ، إنما هو على تأويل الجزاء . وقال ابن النحاس : منهم من قال : * ( استغفر لهم ) * ( التوبة : 08 ) . منسوخ بقوله : * ( ولا تصل ) * ( التوبة : 48 ) . ومنهم من قال : لا ، بل هي على التهديد ، وتوهم بعضهم أن قوله : * ( لا تصل ) * ( التوبة : 48 ) . ناسخ له لقوله : * ( وصل عليهم ) * ( التوبة : 301 ) . وهو غلط ، فإن تلك نزلت في أبي لبابة وجماعة معه لما ربطوا أنفسهم لتخلفهم عن تبوك . ذكر ما يستفاد منه : فيه : دلالة على الكفن في القميص ، وسواء كان القميص مكفوف الأطراف أو غير مكفوف . ومنهم من قال : إن القميص لا يسوغ إلاَّ إذا كانت أطرافه غير مكفوفة . أو كان غير مزرر ليشبه الرداء ، ورد البخاري ذلك بالترجمة المذكورة وفي ( الخلافيات ) للبيهقي ، من طريق ابن عون ، قال : كان محمد بن سيرين يستحب أن يكون قميص الميت كقميص الحي مكففا مزررا . وفيه : النهي عن الصلاة على الكافر الميت ، وهل يجوز غسله وتكفينه ودفنه أم لا ؟ فقال ابن التين : من مات له والد كافر لا يغسله ولده المسلم ولا يدخله قبره إلاَّ أن يخاف أن يضيع فيواريه ، نص عليه مالك في ( المدونة ) وروى أن عليا ، رضي الله تعالى عنه ، جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره أن أباه مات ، فقال : إذهب فواره ، ولم يأمره بغسله ، وروى أنه أمره بغسله ، ولا أصل له ، كما قال القاضي عبد الوهاب . وقال الطبري : يجوز أن يقوم على قبر والده الكافر لإصلاحه ودفنه ، قال : وبذلك صح الخبر ، وعمل به أهل العلم . وقال ابن حبيب : لا بأس أن يحضره ويلي أمر تكفينه ، فإذا كفن دفنه . وقال صاحب ( الهداية ) : وإن مات الكافر وله ابن مسلم يغسله ويكفنه ويدفنه ، بذلك أُمر علي ، رضي الله تعالى عنه ، في حق أبيه أبي طالب ، وهذا أخرجه ابن سعد في ( الطبقات ) فقال : أخبرنا محمد بن عمر الواقدي ، حدثني معاوية بن عبد الله بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده عن علي ، قال : لما أخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب ، بكى ثم قال لي : إذهب فاغسله وكفنه ، وواره . قال : ففعلت ثم أتيته ، فقال لي : إذهب فاغتسل . قال : وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر له أياما ، ولا يخرج من بيته حتى نزل جبرائيل عليه الصلاة والسلام بهذه الآية : * ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ) * ( التوبة : 311 ) . الآية . وقال صاحب ( الهداية ) : لكن يغسل غسل الثوب النجس ويلف في خرقة من غير مراعاة سنة التكفين من اعتبار عدد وغير حنوط ، وبه قال الشافعي . وقال مالك وأحمد : ليس لولي الكافر غسله ولا دفنه ، ولكن قال مالك : له مواراته . وفيه : فضيلة عمر ، رضي الله تعالى عنه . وفيه : في قول عمر ، رضي الله تعالى عنه ، أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين ؟ جواز الشهادة على الإنسان بما فيه في الحياة والموت عند الحاجة ، وإن كانت مكروهة . وفيه : جواز المسألة لمن عنده جدة تبركا .