العيني
21
عمدة القاري
( فلا صلاة له ) ، فلا يمكن له أن يقول : اللام ، بمعنى : على ، لفساد المعنى . الخامس : أن قول ابن حبان : هذا باطل ، جرأة منه على تبطيل الصواب ، فكيف يقول هذا القول وقد رواه أبو داود وسكت عنه ؟ فأقل الأمر أنه عنده حسن لأنه رضي به ، وحاشاه من أن يرضى بالباطل . السادس : ما قاله الجهبذ النقاد الإمام أبو جعفر الطحاوي ، رحمه الله ، ملخصا ، وهي أن الروايات لما اختلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب يحتاج إلى الكشف ليعلم المتأخر منها ، فيجعل ناسخا لما تقدم ، فحديث عائشة إخبار عن فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حال الإباحة التي لم يتقدمها شيء ، وحديث أبي هريرة إخبار عن نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تقدمه الإباحة ، فصار ناسخا لحديث عائشة ، وإنكار الصحابة عليها مما يؤكد ذلك . فإن قلت : من أي قبيل يكون هذا النسخ ؟ قلت : من قبيل النسخ بدلالة التاريخ ، وهو أن يكون أحد النصين موجبا للحظر والآخر موجبا للإباحة ، ففي مثل هذا يتعين المصير إلى النص الموجب للحظر ، لأن الأصل في الأشياء الإباحة ، والحظر طار عليها ، فيكون متأخرا . فإن قلت : فلم لا يجعل بالعكس ؟ قلت : لئلا يلزم النسخ مرتين ، وهذا ظاهر . فإن قلت : ليس بين الحديثين منافاة فلا تعارض فلا يحتاج إلى التوفيق ؟ قلت : ظهر لك صحة حديث أبي هريرة ؟ بالوجوه التي ذكرناها فثبت التعارض ( فإن قلت ) مسلم أخرج حديث عائشة ولم يخرج حديث أبي هريرة قلت : لا يلزم من ترك مسلم تخريجه عدم صحته ، لأنه لم يلتزم بإخراج كل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك البخاري ، ولئن سلمنا ذلك وأن حديث أبي هريرة لا يخلو من كلام ، فكذلك حديث عائشة لا يخلو عن كلام ، لأن جماعة من الحفاظ مثل الدارقطني وغيره عابوا على مسلم تخريجه إياه مسندا ، لأن الصحيح أنه مرسل كما رواه مالك والماجشون عن أبي النضر عن عائشة مرسلاً ، والمرسل ليس بحجة عندهم . وقد أول بعض أصحابنا حديث عائشة بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى في المسجد بعذر مطر . وقيل : بعذر الاعتكاف ، وعلى كل : تقدير الصلاة على الجنازة خارج المسجد أولى وأفضل ، بل أوجب ، للخروج عن الخلاف ، لا سيما في باب العبادات . ولأن المسجد بني لأداء الصلوات المكتوبات فيكون غيرها في خارج المسجد أولى وأفضل . فإن قلت : قالوا : خروج النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من المسجد إلى المصلى كان لكثرة المصلين وللإعلام . قلت : نحن أيضا نقول صلاته في المسجد كان للمطر أو للاعتكاف كما ذكرنا . الوجه الثالث فيه : دليل على أن سنة هذه الصلاة الصف كسائر الصلوات ، وروى الترمذي من حديث مالك بن هبيرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى عليه ثلاثة صفوف فقد أوجب ) ، معناه : وجبت له الجنة ، أو وجبت له المغفرة ، وروى النسائي من رواية الحكم بن فروخ ، قال : صلى بنا أبو المليح على حنازة فظننا أنه كبر ، فأقبل علينا بوجهه فقال : أقيموا صفوفكم ولتحسن شفاعتكم ، وقال أبو المليح : حدثني عبد الله عن إحدى أمهات المؤمنين ، وهي ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت : أخبرني النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ما من ميت يصلي عليه أمة من الناس إلاَّ شفعوا فيه ، فسألت أبا المليح عن الأمة ، قال : أربعون . الوجه الرابع فيه : حجة لمن جوز الصلاة على الغائب ، ومنهم الشافعي وأحمد . قال النووي : فإن كان الميت في البلد فالمذهب أنه لا يجوز أن يصلى عليه حتى يحضر عنده ، وقيل : يجوز ، وفي الرافعي : ينبغي أن لا يكون بين الإمام والميت أكثر من مائتي ذراع ، أو ثلاثمائة تقريبا . فرع : عندهم : لو صلى على الأموات الذين ماتوا في قرية وغسلوا في البلد الفلاني ، ولا يعرف عددهم ، جاز . قاله في ( البحر ) . قال في ( التوضيح ) : وهو صحيح ، لكن لا يختص ببلد ، وقال الخطابي : النجاشي رجل مسلم قد آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم وصدقه على ثبوته إلاَّ أنه كان يكتم إيمانه ، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه ، إلاَّ أنه كان بين ظهراني أهل الكفر ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه ، فلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن يفعل ذلك ، إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به ، فهذا والله أعلم هو السبب الذي دعاه إلى الصلاة عليه بظهر الغيب ، فعلى هذا إذا مات المسلم ببلد من البلدان وقد قضى حقه من الصلاة عليه فإنه لا يصلى عليه من كان ببلد آخر غائبا عنه ، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق أو مانع عذر كان السنة