العيني
22
عمدة القاري
أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة ، فإذا صلوا عليه استقبلوا القبلة ولم يتوجهوا إلى بلد الميت إن كان في غير جهة القبلة ، وقد ذهب بعض العلماء إلى كراهة الصلاة على الميت الغائب ، وزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مخصوصا بهذا الفعل ، إذ كان في حكم المشاهد للنجاشي لما روي في بعض الأخبار أنه قد سويت له الأرض حتى يبصر مكانه ، وهذا تأويل فاسد ، لأن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إذا فعل شيئا من أفعال الشريعة كان علينا اتباعه والأيتساء به ، والتخصيص لا يعلم إلاَّ بدليل ، ومما يبين ذلك أنه ، صلى الله عليه وسلم ، خرج بالناس إلى الصلاة ، فصف بهم وصلوا معه ، فعلم أن هذا التأويل فاسد . قلت : هذا التشنيع كله على الحنفية من غير توجيه ولا تحقيق ، فنقول : ما يظهر لك فيه دفع كلامه ، وهو أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، رفع سريره فرآه ، فتكون الصلاة عليه كميت رآه الإمام ولا يراه المأموم . فإن قلت : هذا يحتاج إلى نقل يبينه ، ولا يكتفي فيه بمجرد الاحتمال . قلت : ورد ما يدل على ذلك ، فروى ابن حبان في ( صحيحه ) من حديث عمران بن حصين : ( أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، قال : إن أخاكم النجاشي توفي ، فقوموا صلوا عليه ، فقام رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وصفوا خلفه فكبر أربعا وهم يظنون أن جنازته بين يديه ، وجواب آخر : أنه من باب الضرورة ، لأنه مات بأرض لم تقم فيها عليه فريضة الصلاة ، فتعين فرض الصلاة عليه لعدم من يصلي عليه ثمة ، ويدل على ذلك أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لم يصل على غائب غيره ، وقد مات من الصحابة خلق كثير وهم غائبون عنه ، وسمع بهم فلم يصل عليهم إلاَّ غائبا واحدا ورد أنه طويت له الأرض حتى حضره وهو : معاوية بن معاوية المزني ، روى حديثه الطبراني في ( معجمه الأوسط ) وكتاب ( مسند الشاميين ) : حدثنا علي بن سعيد الرازي حدثنا نوح بن عمير بن حوى السكسكي حدثنا بقية بن الوليد عن محمد بن زياد الألهاني ( عن أبي أمامة ، قال : كنا مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بتبوك فنزل عليه جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، فقال : يا رسول الله إن معاوية بن معاوية المزني مات بالمدينة ، أتحب أن تطوى لك الأرض فتصلي عليه ؟ قال : نعم ، فضرب بجناحه على الأرض ورفع له سريره فصلى عليه وخلفه صفان من الملائكة ، في كل صف سبعون ألف ملك ، ثم رجع ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل ، عليه الصلاة والسلام : بم أدرك هذا ؟ قال : بحبه سورة : قل هو الله أحد ، وقراءته إياها جاثيا وذاهبا وقائما وقاعدا وعلى كل حال ) . انتهى . فإن قلت : قد صلى على اثنين أيضا وهما غائبان وهما زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب ، ورد عنه أنه كشف له عنهما أخرجه الواقدي في كتاب ( المغازي ) فقال : حدثني محمد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة ، وحدثني عبد الجبار بن عمارة عن عبد الله بن أبي بكر ، قالا : لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر وكشف له ما بينه وبين الشام ، فهو ينظر إلى معتركهم ، فقال صلى الله عليه وسلم : أخذ الراية زيد بن حارثة فمضى حتى استشهد ، وصلى عليه ودعا له : وقال : استغفروا له وقد دخل الجنة وهو يسعى ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فمضى حتى استشهد ، فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له ، وقال : استغفروا له وقد دخل الجنة ، فهو يطير فيها بجناحيه حيث شاء . قلت : هو مرسل من الطريقين المذكورين ، والمرسل ليس بحجة ، على أنهم يقولون : في الواقدي مقال ، وقال صاحب ( التوضيح ) في معرض التحامل : ومن ادعى أن الأرض طويت له حتى شاهده لا دليل عليه ، وإن كانت القدرة صالحة لذلك . قلت : كأنه لم يطلع على ما رواه ابن حبان والطبراني ، وقد ذكرناه الآن ، ووقع في كلام ابن بطال تخصيص ذلك بالنجاشي ، فقال : بدليل إطباق الأمة على ترك العمل بهذا الحديث ، قال : ولم أجد لأحد من العلماء إجازة الصلاة على الغائب إلاَّ ما ذكره ابن زيد عن عبد العزيز بن أبي سلمة فإنه قال : إذا استؤذن أنه غرق أو قتل أو أكله السباع ولم يوجد منه شيء صلى عليه ، كما فعل بالنجاشي ، وبه قال ابن حبيب ، وقال ابن عبد البر : أكثر أهل العلم يقولون : إن ذلك مخصوص به ، وأجازه بعضهم إذا كان في يوم الموت أو قريب منه ، وفي ( المصنف ) عن الحسن إنما دعا له ولم يصل . الوجه الخامس : في أن التكبير على الجنازة أربعة ، وصرح بذلك في الحديث وهو آخر ما استقر عليه أمره صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن أبي ليلى : يكبر خمسا ، وإليه ذهب الشيعة . وقيل : ثلاثا ، قاله بعض المتقدمين ، وقيل : أكثره سبع وأقله ثلاث ، ذكره القاضي أبو محمد ، وقيل : ست ، ذكره ابن المنذر عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، وعن أحمد : لا ينقص من أربع ولا يزاد على سبع . وقال ابن