العيني
83
عمدة القاري
وكعاعة وكيعوعة وكعكعه عن الورد : نحاه . ويقال : أكعه الفرق إكعاعا إذا حبسه عن وجهه ، ويقال : أصل كعكعت كععت ، ففرق بينهما بحرف مكرر للاستثقال . قلت : هذا تصرف من غير التصريف ، ووقع في رواية مسلم : ( رأيناك كففت ) ، من الكف ، وهو المنع . قوله : ( إني رأيت الجنة ) ، ظاهره من رؤية العين : كشف الله تعالى الحجب التي بينه وبين الجنة وطوى المسافة التي بينهما حتى أمكنه أن يتناول منها عنقودا ، والذي يؤيد هذا حديث أسماء الذي مضى في أوائل صفة الصلاة بلفظ : ( دنت مني الجنة حتى لو اجترأت عليها لجئتكم بقطاف من قطافها ) ، ومن العلماء من حمل هذا على أن الجنة مثلت له في الحائط كما ترى الصورة في المرآة . فرأى جميع ما فيها . واستدلوا على هذا بحديث أنس على ما سيأتي في التوحيد : ( لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي ) ، وفي رواية : ( لقد مثلت ، وفي رواية مسلم : ( لقد صورت ) فإن قلت : انطباع الصورة إنما يكون في الأجسام الصقيلة ؟ قلت : هذا من حيث العادة فلا يمتنع خرق العادة لا سيما في حق هذا النبي العظيم صلى الله عليه وسلم ، ومع هذا هذه قصة أخرى وقعت في صلاة الظهر ، وتلك في صلاة الكسوف ، ولا مانع أن ترى الجنة والنار مرتين وأكثر على صور مختلفة ، وقال القرطبي : ليس من المحال إبقاء هذه الأمور على ظواهره ، لا سيما على مذهب أهل السنة في أن الجنة والنار وقد خلقتا وهما موجودتان الآن ، فيرجع إلى أن الله تعالى خلق لنبيه صلى الله عليه وسلم إدراكا خاصا به أدرك به الجنة والنار على حقيقتهما ، ومنهم من تأول الرؤية هنا بالعلم ، وقد أبعد لعدم المانع من الأخذ بالحقيقة والعدول عن الأصل من غير ضرورة . قوله : ( عنقودا ) بضم العين . قوله : ( ولو أصبته ) في رواية مسلم : ( ولو أخذته ) . قوله : ( ما بقيت الدنيا ) أي : مدة بقاء الدنيا ، لأن طعام الجنة لا ينفذ وثمار الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وحكى ابن العربي عن بعض شيوخه : إن معنى قوله : ( لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ) ، أن يخلق في نفس الآكل مثل الذي أكل : دائما بحيث لا يغيب عن ذوقه ، وقد رد عليه بأن هذا رأي فلسفي مبني على أن دار الآخرة لا حقائق لها ، وإنما هي أمثال ، والحق أن ثمار الجنة لا تقطع ولا تمنع ، فإذا قطعت خلقت في الحال فلا مانع أن يخلق الله مثل ذلك في الدنيا إذا شاء ، وفيه بحث ، لأن كلام هذا القائل لا يستلزم نفي حقيقة دار الآخرة ، لأن ما قاله في حال الدنيا والفرق بين حال الدنيا وحال الآخرة ظاهر . فإن قلت : بين قوله : ( ولو أصبته ) ، أو : ( لو أخذته ) . وبين قوله : ( رأيناك تناولت شيئا ) ، منافاة ظاهرا ؟ قلت : يحمل التناول على تكلف الأخذ لا حقيقة الأخذ . قلت : لا يحتاج إلى هذا التأويل بالتكلف لعدم ورود السؤال المذكور ، لأن قوله : ( تناولت ) خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم منهم ، وقوله : ( ولو أصبته ) إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه ، ولا منافاة بين الإخبارين ، فكأنهم تخيلوا التناول من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن في نفس الأمر حقيقة التناول موجودة يدل عليه معنى . قوله : ( وتناولت عنقودا ) د ، يعني تناولته حقيقة في الجنة ، ولكن لم يؤذن لي بقطفه وهو معنى قوله : ( ولو أصبته ) ، يعني : لو أذن لي بقطفه لأصبته ، وأخرجته منها إليكم ، ولكن لم يقدر لي لأنه من طعام الجنة ، وهو لا يفنى والدنيا فانية ، فلا يجوز أن يؤكل فيها ما لا يفنى ، لأنه يلزم من أكل ما لا يفنى أن لا يفنى آكله ، وهو محال في الدنيا . فإن قلت : كيف يقول : معناه تناولته حقيقة في الجنة ولكن لم يؤذن لي بقطفه ؟ وقد وقع في حديث عقبة بن عامر ، رضي الله تعالى عنه عن ابن خزيمة : ( أهوى بيده ليتناول شيئا ) ، وفي رواية البخاري في حديث أسماء في أوائل صفة الصلاة : ( حتى لو اجترأت عليها ؟ ) وكأن لم يؤذن له في ذلك ، فلم يجترىء عليه ، وفي حديث جابر عند مسلم : ( ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمارها لتنظروا إليه ، ثم بدا لي أن لا أفعل ) ؟ وفي حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، عند البخاري : ( لقد رأيت أن آخذ قطفا من الجنة حين رأيتموني ، جعلت أتقدم ) ، ووقع لعبد الرزاق من طريق مرسلة : ( أردت أن آخذ منها قطفا لأريكموه فلم يقدر ) ؟ قلت : كل هذه الروايات لا تنافي ما قلنا . أما في حديث عقبة فلا يلزم من قوله : ( أهوى بيده ليتناول شيئا ) عدم تناوله حقيقة ، لرؤيتهم صورة التناول وعدم رؤيتهم حقيقته . وأما في حديث أسماء فلأن عدم اجترائه على إخراجه من الجنة لأنه لم يؤذن له بذلك ، فلا يمنع ذلك حقيقة التناول . وأما في حديث جابر فلأن صورة التناول لأجل إخراجه إليهم لم يكن ، لأن نظرهم إليه وهو يتناول في الجنة لا يتصور في حقهم لعدم قدرتهم على ذلك ، فهذا لا ينافي حقيقة التناول في الجنة ، ولكن لم يؤذن له بالإخراج لما قلنا . وأما في حديث عائشة فلأنهم لو رأوه أخذ منها قطفا حقيقة لكان إيمانهم بالشهادة ولم يكن بالغيب ، والإيمان بالغيب هو المعتبر ، وهو أيضا لا ينافي حقيقة التناول في حقه صلى الله عليه وسلم . قوله : ( وأريت النار ) أريت ، بضم الهمزة وكسر الراء على صيغة المجهول ، وأقيم المفعول الذي هو الرائي في