العيني

84

عمدة القاري

الحقيقة مقام الفاعل ، وانتصاب النار على أنه مفعول ثان ، لأن : أريت ، من الإراءة ، وهو يقتضي مفعولين ، وهذه رواية أبي ذر . وفي رواية غيره : ( رأيت النار ) ، وكانت رؤية النار قبل رؤية الجنة لما وقع في رواية عبد الرزاق : ( عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم النار فتأخر عن مصلاه حتى أن الناس ليركب بعضهم بعضا ، وإذ رجع عرضت عليه الجنة ، فذهب يمشي حتى وقف في مصلاه ) . وروى مسلم من حديث جابر ، قال : ( انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . . ) الحديث بطوله ، وفيه : ( ما من شيء توعدونه إلاّ قد رأيته في صلاتي هذه لقد جيء بالنار وذلكم حين رأيتموني تأخرت مخافة أن يصيبني من لفحها ) ، وفيه : ( ثم جيء بالجنة ، وذلكم حين رأيتموني تقدمت حتى قمت في مقامي . . ) الحديث وجاء من حديث سمرة ، أخرجه ابن خزيمة : ( لقد رأيت منذ قمت أصلي ما أنتم لاقون في دنياكم وآخرتكم ) . فإن قلت : رؤياه النار من أي باب كان من أبواب النيران ؟ فإن قلت : قيل : من الباب الذي يدخل منه العصاة من المسلمين . قلت : يحتاج هذا إلى دليل مع أن قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضا حتى رأيتموني تأخرت ، ورأيت فيها ابن لحي وهو الذي سبب السائبة ) . رواه مسلم ، فدل على أنه صلى الله عليه وسلم رأى النيران كلها ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم : ( وعرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة لها ربطتها فلم تطعمها ، ولم تدعها تأكل من حشائش الأرض ، ورأيت أبا ثمامة عمر بن مالك يجر قصبة في النار ) . قوله : ( فلم أر منظرا كاليوم قط أفظع ) . وفي رواية المستملي والحموي : ( فلم أنظر كاليوم أفظع ) . قوله : ( منظرا ) منصوب بقوله : ( لم أر ) . و ( أفظع ) ، أفعل التفضيل منصوب لأنه صفة المنظر . وقوله : ( كاليوم قط ) معترض بين الصفة والموصوف ، والكاف فيه بمعنى المثل ، والمراد من اليوم الوقت الذي فيه وتقدير الكلام : لم أر منظرا أفظع مثل اليوم ، وأدخل كاف التشبيه عليه لبشاعة ما رأى فيه ، ومعنى أفظع : أبشع وأقبح . وقال ابن سيده : فظع الأمر فظاعة وهو فظيع وأفظع وأشد وأفظع افظاعا وهو مفظع ، والاسم الفظاعة وأفظعني هذا الأمر وأفظعته وأفظع هو ، وفي ( الصحاح ) أفظع الرجل ، على ما لم يسم فاعله : إذا نزل به أمر عظيم . قوله : ( ورأيت أكثر أهلها ) أي : أهل النار النساء . فإن قلت : كيف يلتئم هذا مع ما رواه أبو هريرة : ( إن أدنى أهل الجنة منزلة من له زوجتان من الدنيا ) ، ومقتضاه أن النساء ثلثا أهل الجنة ؟ قلت : يحمل حديث أبي هريرة على ما بعد خروجهن من النار ، وقيل : خرج هذا مخرج التغليظ والتخويف ، وفيه نظر ، لأنه أخبر بالرؤية الحاصلة . وقيل : لعله مخصوص ببعض النساء دون بعض . قوله : ( بم يا رسول الله ؟ ) أصله : بما ، لأنها كلمة الاستفهام ، فحذفت الألف تخفيفا . قوله : ( أيكفرن بالله ؟ ) الهمزة فيه للاستفهام . قوله : ( قال : يكفرن العشير ) ، كذا وقع للجمهور عن مالك بدون الواو ، وقيل : ويكفرن ، وكذا وقع في رواية مسلم . قال : حدثنا حفص بن ميسرة ، قال : حدثني زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس ، قال : ( انكسفت الشمس . . ) الحديث بطوله ، وفيه : ( ورأيت أكثر أهلها النساء ، قالوا : بم يا رسول الله ؟ قال : بكفرهن ، قيل : يكفرن بالله ؟ قال : يكفرن العشير . . . ) الحديث ، وروى يحيى بن يحيى عن مالك في ( موطئه ) قال : ويكفرن العشير ، بزيادة الواو ، قيل : زيادة الواو غلط . قلت : ليس كذلك ، لأنه لا فساد فيه من جهة المعنى لأنه أجاب مطابقا للسؤال ، . وزاد ، وقال بعضهم : إن كان المراد من تغليطه كونه خالف غيره من الرواة فهو كذلك . قلت : ليس كذلك ، لأن المخالفة للرواة إنما تعد غلطا إذا فسد المعنى ، ولا فساد . كما ذكرنا . فإن قلت : كفر يتعدى بالباء ، وقوله : ( أيكفرن بالله ؟ ) على الأصل ، وقوله : ( يكفرن العشير ) بلا باء ؟ قلت : لأن الذي تعدى بالباء يتضمن معنى الاعتراف ، وكفر العشير لا يتضمن ذلك . قوله : ( ويكفرن الإحسان ) يحتمل أن يكون تفسيرا لقوله : ( يكفرن العشير ) ، لأن المقصود كفر إحسان العشير لا كفر ذاته ، والعشير هو الزوج ، وقد مر الكلام فيه مستقصىً في كتاب الإيمان ، والمراد من كفر الإحسان تغطيته وعدم الاعتراف به أو جحده وإنكاره كما يدل عليه آخر الحديث . قوله : ( لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ) ، بيان لمعنى : كفر الإحسان وكلمة : لو ، شرطية ويحتمل أن تكون امتناعية بأن يكون الحكم ثابتا على النقيضين ، ويكون الطرف المسكوت عنه أولى من المذكور ، و : الدهر ، منصوب على الظرفية ، ويجوز أن يكون المراد منه : مدة عمر الرجل ، وأن يكون الزمان كله مبالغة ، وليس المراد من قوله : ( أحسنت ) ، خطاب رجل بعينه ، بل كل من يتأتى منه أن يكون مخاطبا ، كما في قوله تعالى : * ( ولو ترى إذ المجرمون ) * ( السجدة : 21 ) . لأن المراد منه