العيني
41
عمدة القاري
( ولا علينا ) وقال الطيبي في إدخال : الواو ، ههنا معنى لطيف ، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستسقيا للأكام وما معها فقط ، ودخول : الواو ، يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودا لعينه ، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر ، فليست : الواو ، مخلصة للعطف ، ولكنها : للتعليل . وهو كقولهم : تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ، فإن الجوع ليس مقصودا لعينه ، ولكن لكونه مانعا من الرضاع بأجرة ، إذ كانوا يكرهون ذلك . قوله : ( على الأكام ) ، فيه بيان للمراد بقوله : ( حوالينا ) ، روي : ( الإكام ) ، بكسر الهمزة وفتحها ، ممدودة وهو جمع : أكمة بفتحات ، قال ابن البرقي : هو التراب المجتمع . وقال الداودي : أكبر من الكدية . وقال القزاز : هي التي من حجر واحد . وقال الخطابي : هي الهضبة الضخمة . وقيل : الجبل الصغير . وقيل : ما ارتفع من الأرض . قوله : ( والظراب ) بكسر الظاء المعجمة وفي آخره باء موحدة : جمع ظرب ، بسكون الراء . قاله القزاز ، وقال : هو جبل منبسط على الأرض ، وقيل بكسر الراء ، ويقال : ظراب وظرب ، كما يقال : كتاب وكتب . ويقال : ظرب ، بتسكين الراء . قالوا : أصل الظراب ما كان من الحجارة أصله ثابت في جبل أو أرض حزنة ، وكان أصله الثاني محدودا ، وإذا كانت خلقة الجبل كذلك سمي ظربا . وفي ( المحكم ) : الظرب كل ما كان نتأً من الحجارة وحدٌ طرفه . وقيل : هو الجبل الصغير . وفي ( المنتهى ) للبرمكي : الظراب : الروابي الصغار دون الجبل ، وفي ( الغريبين ) : الأظراب جمع ظرب . قوله : ( والأودية ) جمع وادٍ وفي رواية مالك : ( بطون الأودية ) ، والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به ، قالوا : ولم يسمع أفعلة جمع فاعل إلاّ أودية جمع واد ، وزاد مالك في روايته : ( ورؤوس الجبال ) . قوله : ( ومنابت الشجر ) أراد بالشجر : المرعى ومنابته التي تنبت الزرع والكلأ . قوله : ( فانقطعت ) أي : السماء ، ويروى : ( فأقلعت ) ، ويروى : ( فانقلعت ) ، والكل بمعنى واحد ، وفي رواية مالك : ( فانجابت عن المدينة انجياب الثوب ) ، أي : خرجت عنها كما يخرج الثوب عن لابسه ، وفي رواية سعيد عن شريك : ( فما هو إلا أن تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك تمزق السحاب حتى ما نرى منه شيئا ) ، والمراد بقوله : ( ما نرى شيئا ) ، أي : في المدينة ، ولمسلم من رواية حفص : ( فلقد رأيت السحاب يتمزق كأنه الملا حين يطوى ) ، والملا ، بضم مقصور وقد يمد جمع : ملاءة ، وهو ثوب معروف . وفي رواية قتادة عند البخاري : ( فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالاً يمطرون ) أي : أهل النواحي ولا يمطرون أهل المدينة ، وله في الأدب : ( فجعل الله السحاب يتصدع عن المدينة ) ، وزاد فيه : ( يريهم الله كرامة نبيه وإجابة دعوته ) . وله في رواية ثابت عن أنس : ( فتكشطت ) ، أي : تكشفت ، ( فجعلت تمطر حول المدينة ولا تمطر بالمدينة قطرة ، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل ) . وفي مسند أحمد من هذا الوجه : ( فتقور ما فوق رؤوسنا من السحاب حتى كأنا في إكليل ) ، وهو بكسر الهمزة : التاج ، وفي رواية إسحاق عن أنس : ( فما يشير بيده إلى ناحية من السماء إلا تفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة ) ، والجوبة ، بفتح الجيم وسكون الواو وفتح الباء الموحدة : هي الحفرة المستديرة الواسعة ، والمراد بها ههنا الفرجة في السحاب ، وقال الخطابي : الجوبة هنا الترس ، وضبط بعضهم : الجونة بالنون ثم فسره : بالشمس إذا ظهرت في خلل السحاب . وقال عياض : فقد صحف من قال بالنون . وفي رواية إسحاق من الزيادة أيضا : ( وسال الوادي وادي قناة شهرا ) ، وقد فسرنا هذا في كتاب الجمعة في : باب الاستسقاء في الخطبة في الجمعة ، وأكثر ما ذكرنا هنا ذكرناه هناك ، وإن كان مكررا لزيادة الإيضاح ولسرعة وقوف الطالب للمعاني . قوله : ( فسألت أنسا أهو الرجل الأول ؟ قال : لا أدري ) وفي موضع آخر : ( فأتى الرجل فقال : يا رسول الله ) ، وفي لفظ : ( جاء رجل فقال : ادع الله يغثنا ، ثم جاء فقال : ) وفي لفظ في الأول : ( قام أعرابي ) ، ثم قال في آخره : ( فقام ذلك الأعرابي ) ، قال ابن التين : لعل أنسا تذكر بعد أو نسي بعد ذكره إن كان هذا الحديث قبل قوله : ( لا أدري أهو الأول أم لا ؟ ) . ذكر ما يستفاد منه : فيه : جواز مكالمة الإمام في الخطبة للحاجة . وفيه : القيام للخطبة ، وأنها لا تنقطع بالكلام ولا تقطع بالمطر وفيه : قيام الواحد بأمر الجماعة . وفيه : سؤال الدعاء من أهل الخير ومن يرجى منه القبول وإجابتهم لذلك . وفيه : تكرار الدعاء ثلاثا . وفيه : إدخال دعاء الاستسقاء في خطبة الجمعة والدعاء على المنبر . وفيه : لا تحويل ولا استقبال . وفيه : الاجتزاء بصلاة الجمعة عن صلاة الاستسقاء . وفيه : امتثال الصحابة بمجرد الإشارة . وفيه : الأدب في الدعاء حيث لم يدع برفع المطر مطلقا لاحتمال الاحتياج إلى استمراره ، فاحترز فيه ما يقتضي رفع الضرر وإبقاء النفع . وفيه : أن الدعاء بدفع الضرر لا ينافي