العيني
40
عمدة القاري
الترس ) ، أي : مستديرة ، والتشبيه في الاستدارة لا في القدر يدل عليه ما وقع في رواية أبي عوانة : ( فنشأت سحابة مثل رجل الطائر وأنا أنظر إليها ) . فهذا يشعر بأنها كانت صغيرة ، وفي رواية ثابت : ( فهاجت ريح أنشأت سحابا ثم اجتمع ) ، وفي رواية قتادة في الأدب : ( فنشأ السحاب بعضه إلى بعض ) ، وفي رواية إسحاق الآتية : ( حتى ثار السحاب أمثال الجبال ) أي : لكثرته وفيه : ( ثم ينزل عن منبره حتى رأينا المطر يتحادر على لحيته ) ، وهذا يدل على أن السقف وكف لكونه كان من جريد النخل . قوله : ( فلما توسطت السماء ) أي : بلغت إلى وسط السماء وهي على هيئة مستديرة ثم انتشرت . قوله : ( ثم أمطرت ) ، قد مضى الكلام فيه في : باب الاستسقاء في الخطبة يوم الجمعة . قوله : ( ما رأينا الشمس سبتا ) ، بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة ، وأراد به اليوم الذي بعد الجمعة ، ولكن المراد به الأسبوع ، وهو من تسمية الشيء باسم بعضه ، كما يقال : جمعة ، وهكذا وقع في رواية الأكثرين . فإن قلت : كيف عبر أنس بالسبت ؟ قلت : لأنه كان من الأنصار ، وكانوا قد جاوروا اليهود فأخذوا بكثير من اصطلاحهم ، وإنما سموا الأسبوع سبتا لأنه أعظم الأيام عندهم ، كما أن الجمعة أعظم الأيام عند المسلمين ، ووقع في رواية الداودي : ستا ، بكسر السين وتشديد التاء المثناة من فوق ، وأراد به : ستة أيام ، قال النووي : وهو تصحيف ، ورد عليه بأن الداودي لم ينفرد به ، فقد وقع في رواية الحموي والمستملي كذا ، يعني : ستا ، وكذا رواه سعيد بن منصور عن الدراوردي عن شريك ، ووافقه أحمد من رواية ثابت عن أنس . فإن قلت : وجه التصحيف أنه مستبعد لرواية إسماعيل بن جعفر الآتية : سبعا . قلت : لا استبعاد في ذلك ، لأن من روى سبعا أضاف إلى السبت يوما ملفقا من الجمعتين ، ووقع في رواية إسحاق الآتية : ( فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد والذي يليه حتى الجمعة الأخرى ) ، ووقع في رواية مالك عن شريك : ( فمطرنا من جمعة إلى جمعة ) ، وفي رواية قتادة الآتية : ( فمطرنا فما كدنا نصل إلى منازلنا ) ، أي : من كثرة المطر ، وقد تقدم في كتاب الجمعة من وجه آخر : ( فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا ) ، ولمسلم في رواية ثابت : ( فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله ) ، ولابن خزيمة في رواية حميد : ( حتى أهم الشباب القريب الدار الرجوع إلى أهله ) ، وللبخاري في ( الأدب ) من طريق قتادة : ( حتى سالت مثاعب المدينة ) ، المثاعب : جمع مثعب ، بالثاء المثلثة وفي آخره باء موحدة : مسيل الماء . قوله : ( ثم دخل رجل من ذلك الباب ) الظاهر : أن هذا غير ذاك الرجل الأول ، لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تكون غيره ، وفي رواية إسحاق عن أنس : ( فقام ذلك الرجل أو غيره ) ، وهذا يقتضي أن يكون هذا هو الرجل الأول ، ولكنه شك فيه بقوله : ( أو غيره ) ، أي : أو غير ذلك الرجل ، وسيأتي في رواية يحيى بن سعيد : ( فأتى الرجل فقال : يا رسول الله ) ، وهذا يقتضي أن هذا هو الأول ، وفي رواية أبي عوانة من طريق حفص عن أنس بلفظ : ( فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى ) ، وهذا أيضا كذلك . قوله : ( ورسول الله قائم ) ، جملة اسمية حالية ، قوله : ( فاستقبله قائما ) انتصاب : قائما ، على أنه حال من الضمير المرفوع الذي في : استقبل ، لا من الضمير المنصوب . قوله : ( هلكت الأموال وانقطعت السبل ) ، يعني : بسبب كثرة المياة ، لأنه انقطع المرعى فهلكت المواشي من عدم الرعي ، أو لعدم ما يكنها من المطر ، ويدل على ذلك قوله في رواية سعيد عن شريك أخرجها النسائي : ( من كثرة الماء ) ، وفي رواية حميد عند ابن خزيمة : ( واحتبس الركبان ) ، وفي رواية مالك عن شريك : ( تهدمت البيوت ) ، وفي رواية إسحاق الآتية : ( هدم البناء وغرق المال ) . قوله : ( فادع الله أن يمسكها ) هذه رواية الكشميهني . وفي رواية غيره : ( فادع الله يمسكها ) ، بدون كلمة : إن ، ويجوز فيه الرفع والنصب والجزم إما الرفع فعلى أنه خبر مبتدأ محذوف ، وأما النصب فبكلمة : إن ، المقدرة ، وأما الجزم فعلى أنه جواب الأمر ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى الأمطار التي يدل عليه . قوله : ( ثم أمطرت ) ، أو إلى السحابة ، ووقع في رواية سعيد عن شريك : ( أن يمسك عنا الماء ) ، وفي رواية أحمد من طريق ثابت : ( أن يرفعها عنا ) ، وفي رواية قتادة في الأدب : ( فادع ربك أن يحبسها عنا ، فضحك ) . وفي رواية ثابت : ( فتبسم ) ، وزاد حميد : ( لسرعة ملال ابن آدم ) . قوله : ( حوالينا ) وفي رواية مسلم : ( حولنا ) ، وكلاهما صحيح ، والحول والحوال بمعنى الجانب ، والذي في رواية البخاري : تثنية ، حوال ، وهو ظرف يتعلق بمحذوف ، تقديره : اللهم أنزل أو أمطر حوالينا ولا تنزل علينا . فإن قلت : إذا أمطرت حول المدينة فالطريق تكون ممتنعة ، وإذن لم يزل شكواهم ؟ قلت : أراد بقوله : ( حوالينا ) : الآكام والظراب ، وشبههما كما في الحديث ، فتبقى الطريق على هذا مسلوكة ، كما سألوا . وأيضا أخرج الطرق بقوله :