العيني
189
عمدة القاري
فيه حتى انتفخت أقدامهم ، واصفرت ألوانهم ، وظهرت السيماء في وجوههم ، وترقى أمرهم إلى حد رحمهم له ربهم ، فخفف عنهم . وأشار إلى أن القول الثاني : وهو قوله : وعن عائشة ، ليس بتهجين بل هو ثناء عليه وتحسين لحالته التي كان عليها ، وأمره أن يدوم على ذلك . قوله : * ( قم الليل إلاَّ قليلاً ) * أي : منه ، قال أبو بكر الأدفوي : للعلماء فيه أقوال : الأول : أنه ليس بفرض ، يدل على ذلك أن بعده : * ( نصفه أو انقص منه قليلاً أو زد عليه ) * وليس كذلك يكون الفرض ، وإنما هو ندب . والثاني : أنه هو حتم . والثالث : أنه فرض على النبي صلى الله عليه وسلم وحده ، وروي ذلك عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، قال : وقال الحسن وابن سيرين : صلاة الليل فريضة على كل مسلم ، ولو قدر حلب شاة . وقال إسماعيل بن إسحاق : قالا ذلك لقوله تعالى : * ( فاقرأوا ما تيسر منه ) * ، وقال الشافعي ، رحمه الله : سمعت بعض العلماء يقول : إن الله تعالى أنزل فرضا في الصلاة قبل فرض الصلوات الخمس ، فقال : * ( يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً ) * الآية ، ثم نسخ هذا بقوله : * ( فاقرأوا ما تيسر منه ) * ثم احتمل قوله : * ( فاقرأوا ما تيسر منه ) * أن يكون فرضا ثانيا ، لقوله تعالى : * ( ومن الليل فتهجد به نافلة لك ) * ( الإسراء : 97 ) . فوجب طلب الدليل من السنة على أحد المعنيين ، فوجدن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن لا واجب من الصلوات إلاّ الخمس . قال أبو عمر : قول بعض التابعين : قيام الليل فرض ولو قدر حلب شاة ، قول شاذ متروك لإجماع العلماء أن قيام الليل نسخ بقوله : * ( علم إن لن تحصوه . . ) * الآية . وروى النسائي من حديث عائشة : افترض القيام في أول هذه الصورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم ، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا ، ثم نزل التخفيف في آخرها ، فصار قيام الليل تطوعا بعد أن كان فريضة ، وهو قول ابن عباس ومجاهد وزيد بن أسلم وآخرين ، فيما حكى عنهم النحاس ، وفي ( تفسير ابن عباس ) : * ( قم الليل ) * يعني : قم الليل كله إلاّ قليلاً منه ، فاشتد ذلك على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وعلى أصحابه وقاموا الليل كله ولم يعرفوا ما حد القليل ، فأنزل الله تعالى : * ( نصفه أو انقص منه قليلاً ) * فاشتد ذلك أيضا على النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وعلى أصحابه فقاموا الليل كله حتى انتفخت أقدامهم ، وذلك قبل الصلوات الخمس ، ففعلوا ذلك سنة ، فأنزل الله تعالى ناسختها فقال : * ( علم أن لن تحصوه ) * يعني : قيام الليل من الثلث والنصف ، وكان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ، فلما فرضت الخمس نسخت هذه كما نسخت الزكاة كل صدقة ، وصوم رمضان كل صوم ، وفي ( تفسير ابن الجوزي ) : كان الرجل يسهر طول الليل مخافة أن يقصر فيما أمر به من قيام ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه ، فشق عليهم ذلك ، فخفف الله عنهم بعد سنة ، ونسخ وجوب التقدير بقوله : * ( علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر منه ) * أي : صلوا ما تيسر من الصلاة ، ولو قدر حلب شاة ، ثم نسخ وجوب قيام الليل بالصلوات الخمس بعد سنة أخرى ، فكان بين الوجوب والتخفيف سنة ، وبين الوجوب والنسخ بالكلية سنتان . ثم إعراب قوله تعالى : * ( قم الليل إلا قليلا ) * على ما قاله الزمخشري : * ( نصفه ) * بدل * ( من الليل ) * و * ( إلا قليلا ) * استثناء من النصف ، كأنه قال : قم أقل من نصف الليل والضمير في * ( منه ) * و * ( عليه ) * للنصف ، والمعنى التخيير بين أمرين : بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البت ، وبين أن يختار أحد الأمرين ، وهما النقصان من النصف والزيادة عليه ، وإن شئت جعلت : نصفه ، بدلاً من : قليلاً ، وكان تخييرا بين ثلاث : بين قيام النصف بتمامه ، وبين الناقص ، وبين قيام الزائد عليه ، وإنما وصف النصف بالقلة بالنسبة إلى الكل . قوله : * ( ورتل القرآن ترتيلاً ) * يعني ترسل فيه . وقال الحسن : بينه ، إذا قرأته . وقال الضحاك : إقرأ حرفا حرفا ، وروى مسلم من حديث حفصة : أن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها ، وعن مجاهد : رتل بعضه على إثر بعض على تؤدة ، وعن ابن عباس : بينه بيانا ، وعنه : إقرأه على هينتك ثلاث آيات وأربعا وخمسا ، وقال قتادة : تثبت فيه تثبتا ، وقيل : فصله تفصيلاً ولا تعجل في قراءته . وقال أبو بكر بن طاهر : تدبر في لطائف خطابه ، وطالب نفسك بالقيام بأحكامه ، وقلبك بفهم معانيه ، وسرك بالإقبال عليه . قوله : * ( إنا سنلقي عليك قولاً ثقيلاً ) * أي : القرآن يثقل الله فرائضه وحدوده ، ويقال : هو ثقيل على من خالفه ، ويقال : هو ثقيل في الميزان ، خفيف على اللسان ، ويقال : إن نزوله ثقيل كما قال : * ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ) * ( الحشر : 12 ) . الآية ، وقال الزمخشري : يعني بالقول الثقيل : القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين ، خاصة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه متحملها بنفسه ومحملها لأمته ، فهي أثقل عليه وأنهض له . قوله : * ( إن ناشئة الليل ) * قال السمرقندي : يعني ساعات الليل ، وهي مأخوذة من : نشأت أي : ابتدأت شيئا بعد شيء ، فكأنه قال : إن ساعات الليل الناشئة فاكتفى