العيني
190
عمدة القاري
بالوصف عن الاسم . وقال الزمخشري : ناشئة الليل النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة ، أي : تنهض وترفع من نشأت السحاب إذا ارتفعت ، ونشأ من مكانه ونشر إذا نهض ، أو : قيام الليل ، على أن الناشئة مصدر من نشأ إذا أقام ونهض على فاعلة كالعاقبة . قوله : * ( هي أشد وطأ ) * قال السمرقندي : يعني : أثقل على المصلي من ساعات النهار ، فأخبر أن الثواب على قدر الشدة ، قرأ أبو عمرو وابن عامر : أشد وطاء ، بكسر الواو ومد الألف ، والباقون بنصب الواو بغير مد ، فمن قرأ بالكسر يعني : أشد مواطاة ، أي : موافقة بالقلب والسمع ، يعني : أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه على التفهم ، ومن قرأ بالنصب أبلغ في القيام وأبين في القول . قوله : * ( وأقوم قيلا ) * يعني : أثبت للقراءة ، وعن الحسن : أبلغ في الخبر وأمنع من هذا العدو . وقال الزمخشري : أقوم قيلاً . أشد مقالاً وأثبت قراءة لهدوِّ الأصوات . وعن أنس : أنه قرأ : وأصوب قيلاً د فقيل له : يا أبا حمزة إنما هي أقوم قيلاً . فقال : إن أقوم وأهيأ واحد . وفي ( تفسير النسفي ) : أقوم قيلاً ، أصح قولاً وأشد استقامة وصوابا بالفراغ القلب ، وقيل : أعجل إجابة للدعاء . قوله : * ( إن لك في النهار سبحا طويلاً ) * قال الزمخشري : سبحا : تصرفا وتقلبا في مهماتك وشواغلك ، وقال السمرقندي : سبحا فراغا طويلاً تقضي حوائجك فيه ، ففرغ نفسك لصلاة الليل . وعن السدي : سبحا طويلاً أي : تطوعا كثيرا كأنه جعله من السبحة ، وهي النافلة . وقال الزمخشري : أما القراءة بالخاء فاستعارة من : سبخ الصوف ، وهو نفشه ونشر أجزائه لانتشار الهم وتفرق القلب بالشواغل ، كلفه بقيام الليل ، ثم ذكر الحكمة فيما كلفه منه ، وهو : أن الليل أهون على المواطأة وأشد للقراءة لهدوِّ الرجل وخفوت الصوت ، وأنه أجمع للقلب وأهم لنشر الهم من النهار ، لأنه وقت تفريق الهموم وتوزع الخواطر والتقلب في حوائج المعاش والمعاد . قوله : * ( علم أن لن تحصوه ) * هذا مرتبط بما قبله ، وهو قوله تعالى : * ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه ) * أي : علم الله أن لن تطيقوا قيام الليل ، وقيل : الضمير المنصوب فيه يرجع إلى مصدر مقدر ، أي : علم أن لا يصح منكم ضبط الأوقات ، ولا يتأتى حسابها بالتعديل والتسوية إلاّ أن تأخذوا بالأوسع للاحتياط ، وذلك شاق عليكم بالغ منكم . قوله : * ( فتاب عليكم ) * عبارة عن الترخيص في ترك القيام المقدر . قوله : * ( فاقرأوا ما تيسر ) * قال الزمخشري : عبر عن الصلاة بالقراءة ، لأنها بعض أركانها ، كما عبر عنها بالقيام والركوع والسجود ، يريد : فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل ، وهذا ناسخ للأول ، ثم نسخا جميعا بالصلوات الخمس ، وقيل : هي قراءة القرآن بعينها . قيل : يقرأ مائة آية ، ومن قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن . وقيل : من قرأ مائة آية كتب من القانتين . وقيل : خمسين آية ، وقد بين الحكمة في النسخ بقوله : * ( علم أن سيكون منكم مرضى ) * لا يقدرون على قيام الليل * ( وآخرون يضربون في الأرض ) * يعني : يسافرون في الأرض * ( يبتغون من فضل الله ) * يعني : في طلب المعيشة يطلبون الرزق من الله تعالى : * ( وآخرون يقاتلون في سبيل الله ) * يعني : يجاهدون في طاعة الله تعالى . قوله : * ( فاقرأوا ما تيسر منه ) * أي : من القرآن . قيل : في صلاة المغرب والعشاء . قوله : * ( وأقيموا الصلاة ) * أي : الصلاة المفروضة . * ( وآتوا الزكاة ) * الواجبة ، وقيل : زكاة الفطر ، وإنما وجبت بعد ذلك ، ومن فسرها بالزكاة الواجبة جعل آخر السورة مدنيا . قوله : * ( وأقرضوا الله قرضا حسنا ) * قيل : يريد سائر الصدقات المستحبة ، وسماه قرضا تأكيدا للجزاء . وقيل : تصدقوا من أموالكم بنية خالصة من مال حلال . قوله : * ( وما تقدموا لأنفسكم من خير ) * يعني : ما تعملون من الأعمال الصالحة وتتصدقون بنية خالصة * ( تجدوه عند الله ) * يعني : تجدون ثوابه في الآخرة . قوله : ( هو خيرا ) * ثاني مفعولي : وجد ، وهو فصل ، وجاز وإن لم يقع بين معرفتين ، لأن أفعل من أشبه في امتناعه من حروف التعريف بالمعرفة . قوله : * ( واستغفروا الله ) * يعني : أطلبوا من الله لذنوبكم المغفرة ، وقيل : استغفروا الله من تقصير وذنب وقع منكم . * ( إن الله غفور ) * لمن تاب * ( رحيم ) * لمن استغفر . قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله تعالى عنهما نَشَأَ قامَ بالحَبَشِيَّة هذا التعليق رواه عبد بن حميد الكجي في ( تفسيره ) بسند صحيح عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير ( عن ابن عباس : * ( إن ناشئة الليل ) * ( المزمل : 6 ) . قال هو بكلام الحبشية : نشأ قام ) . وأنبأنا عبد الملك بن عمرو عن رافع