العيني
55
عمدة القاري
للمشقوق الشفة العليا ، كما ذكرناه . وفيه : عن الحسن عن أبي بكرة ، بفتح الباء الموحدة وسكون الكاف ، أعله بعضهم بأن الحسن عنعنه ، وقيل : إنه لم يسمع من أبي بكرة ، وإنما يروي عن الأحنف عنه ، ورد هذا الإعلال بما رواه النسائي : أخبرنا حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع ، قال : حدثنا سعيد عن زياد الأعلم ، قال : أخبرنا الحسن أن أبا بكرة حدثه أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع فركع دون الصف . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : زادك الله حرصا ولا تعد . وفيه : أن رواته كلهم بصريون . وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، لأن زيادا من صغار التابعين ، والحسن من كبارهم ، رضي الله تعالى عنهم . ذكر من أخرجه غيره : أخرجه أبو داود أيضا في الصلاة عن حميد بن مسعدة عن يزيد بن زريع عن سعيد ابن أبي عروبة عن زياد ، وعن موسى بن إسماعيل عن حماد عن زياد . وأخرجه النسائي فيه عن حميد بن مسعدة به . ذكر معناه : قوله : ( أنه انتهى إلى النبي ، صلى الله عليه وسلم ، وهو راكع ) ، أي : والحال أن النبي صلى الله عليه وسلم راكع . وفي رواية النسائي عن زياد : ( أخبرنا الحسن أن أبا بكرة حدثه أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم راكع ) . وفي رواية أبي داود عن الحسن : ( أن أبا بكرة جاء ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع ) . وفي رواية الطحاوي : عن الحسن عن أبي بكرة ، قال : ( جئت ورسول الله صلى الله عليه وسلم راكع ، وقد حفزني النفس فركعت دون الصف ) . قوله : ( فذكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ) أي : فذكر ما فعله أبو بكرة من ركوعه دون الصف ، وفي رواية أبي داود : ( فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته ، قال : أيكم الذي ركع دون الصف ثم مشى إلى الصف ؟ فقال أبو بكرة : أنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : زادك الله حرصا ، ولا تعد ) . وفي رواية الطبراني من رواية حماد بن سلمة : ( فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أيكم دخل الصف وهو راكع ؟ ) قوله : ( زادك الله حرصا ) أي : على الخير . قوله : ( ولا تعد ) قال السفاقسي عن الشافعي ، يعني : لا تركع دون الصف . وقيل : لا تعد أن تسعى إلى الصلاة سعيا يحفزك في النفس . وقيل : لا تعد إلى الإبطاء . وقال الطحاوي : قوله : ( لا تعد ) ، عندنا يحتمل معنين : يحتمل ولا تعد أن تركع دون الصف حتى تقوم في الصف ، كما قد روى عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أتى أحدكم الصلاة فلا يركع دون الصف حتى يأخذ مكانه من الصف ) . ويحتمل أي ولا تعد أن تسعى إلى الصف سعيا يحفزك فيه النفس ، كما جاء عن أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، واتوها وأنتم تمشون وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا ) . وقال القاضي البيضاوي : يحتمل أن يكون عائدا إلى المشي إلى الصف في الصلاة ، فإن الخطوة والخطوتين ، وإن لم تفسد الصلاة ، لكن الأولى التحرز عنها . ثم قوله : ( ولا تعد ) في جميع الروايات ، بفتح التاء وضم العين : من العود . وقيل : روي بضم التاء وكسر العين : من الإعادة ، فإن صحت هذه الرواية فمعناه : ولا تعد صلاتك . ذكر ما يستفاد منه : قال الطحاوي : في هذا الحديث أنه ركع دون الصف فلم يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بإعادة الصلاة . انتهى . وروي عن ابن مسعود وزيد بن ثابت ، رضي الله تعالى عنهما : أنهما فعلا ذلك ، ركعا دون الصف ومشيا إلى الصف ركوعا ، وفعله عروة بن الزبير وسعيد بن جبير وأبو سلمة وعطاء ، وقال مالك والليث : لا بأس بذلك إذا كان قريبا قدر ما يلحق . وحد القرب فيما حكاه القاضي إسماعيل عن مالك : أن يصل إلى الصف قبل سجود الإمام . وقيل : يدب قدر ما بين الفرجتين . وفي ( الغنية ) : ثلاث صفوف ، وفي ( الأوسط ) : من حديث عطاء ان ابن الزبير قال على المنبر : إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع فليركع حين يدخل ثم يدب راكعا حتى يدخل في الصف ، فإن ذلك السنة . قال عطاء : ورأيته يصنع ذلك ، وفي ( المصنف ) بسند صحيح : عن زيد بن وهب ، قال : ( خرجت مع عبد الله من داره فلما توسطنا المسجد ركع الإمام فكبر عبد الله ثم ركع وركعت معه ، ثم مشينا إلى الصف راكعين حتى رفع القوم رؤوسهم ، فلما قضى الإمام الصلاة قمت لأصلي فأخذ بيدي عبد الله فأجلسني ، وقال : إنك قد أدركت ) . وروي في ( المصنف ) أيضا : أن أبا أمامة فعل ذلك وزيد بن ثابت وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير ومجاهد والحسن . وقال أبو حنيفة : يكره ذلك للواحد ولا يكره للجماعة ، ذكره الطحاوي . وفيه : أن دخول أبا بكرة في الصلاة دون الصف لما كان صحيحا كانت صلاة المصلي كلها دون الصف صلاة صحيحة ، وهو صلاة