العيني

56

عمدة القاري

المنفرد خلف الصف ، وبه قال الثوري وعبد الله بن المبارك والحسن البصري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأبو يوسف ومحمد ، ولكن بأثم ، إما الجواز فلأنه يتعلق بالأركان ، وقد وجدت . وإما الإساءة فلوجود النهي عن ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لفرد خلف الصف ) ، ومعناه : لا صلاة كاملة ، كما في قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا وضوء لمن لم يسم الله ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا صلاة لجار المسجد إلاّ في المسجد ) ، وقال حماد ابن أبي سليمان وإبراهيم النخعي وابن أبي ليلى ووكيع والحكم والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وابن المنذر : من صلى خلف صف منفردا فصلاته باطلة . واحتجوا بالحديث المذكور ، وقد أجبنا عنه . واحتجوا أيضا بحديث وابصة بن معبد الأشجعي : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده ، فأمره أن يعيد . قال سليمان : الصلاة ) . رواه أبو داود وغيره ، وصححه أحمد وابن خزيمة . والجواب عنه أن في سنده اختلافا ، بيانه أن الذي يرويه هلال بن يساف عن عمرو بن راشد عن وابصة ، ومنهم من قال : هلال عن وابصة ، وعن هذا قال الشافعي : لو ثبت الحديث لقلت به . وقال الحاكم : إنما لم يخرجه الشيخان لفساد الطريق إليه . وقال البزار عن عمرو بن راشد : ليس معروفا بالعدالة فلا يحتج بحديثه ، وهلال لم يسمع من وابصة ، فأمسكنا عن ذكره لإرساله . وقال أبو عمر : فيه اضطراب ولا تثبته جماعة . فإن قلت : أخرج ابن ماجة في ( سننه ) : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر وحدثني عبد الرحمن بن علي بن شيبان عن أبيه علي بن شيبان ، وكان من الوفد ، قال : ( خرجنا حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا خلفه ، قال : ثم صلينا وراءه صلاة أخرى فقضى الصلاة ، فرأى رجلاً فردا يصلي خلف الصف قال : فوقف عليه نبي الله ، صلى الله عليه وسلم ، حتى انصرف قال : استقبل صلاتك ، لا صلاة للذي خلف الصف ) . وأخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) قلت : أخرجه البزار في ( مسنده ) وقال : عبد الله بن بدر ، ليس بالمعروف ، إنما حدث عنه ملازم بن عمرو ومحمد بن جابر ، فأما ملازم فقد احتمل حديثه وإن لم يحتج به ، وأما محمد بن جابر فقد سكت الناس عن حديثه ، وعلي بن شيبان لم يحدث عنه إلاّ ابنع ، وابنه هذا غير معروف ، وإنما ترتفع جهالة المجهول إذا روى عنه ثقتان مشهوران ، فأما إذا روى عنه من لا يحتج بحديثه لم يكن ذلك الحديث حجة ، . ولا ارتفعت الجهالة . وأجاب الطحاوي عنه : أن معنى قوله : ( لا صلاة للذي خلف الصف ) ، لا صلاة كاملة ، لأن من سنة الصلاة مع الإمام اتصال الصفوف وسد الفرج ، فإن قصر عن ذلك فقد أساء وصلاته مجزية ولكنها ليس بالصلاة المتكاملة ، فقيل لذلك : لا صلاة له ، أي : لا صلاة متكاملة . كما قال صلى الله عليه وسلم : ( ليس المسكين الذي ترده التمرة والتمرتان . . . ) الحديث ، معناه : ليس هو المسكين المتكامل في المسكنة ، إذ هو يسأل فيعطى ما يقوته ويواري عورته ، ولكن المسكين الذي لا يسأل الناس ولا يعرفونه فيتصدقون عليه . وقال الخطابي وفيه : دليل على أن قيام المأموم من وراء الإمام وحده لا يفسد صلاته ، وذلك أن الركوع جزء من الصلاة ، فإذا أجزأه منفردا عن القوم أجزأه سائر أجزائها ، كذلك ، إلاّ أنه مكروه لقوله : ( فلا تعد ) ، ونهيه إياه عن العود إرشاد له في المستقبل إلى ما هو أفضل ، ولو كان نهي تحريم لأمره بالإعادة . وفيه : أن من أدرك الإمام على حال يجب أن يصنع كما يصنع الإمام ، وقد ورد الأمر بذلك صريحا في ( سنن سعيد بن منصور ) من رواية عبد العزيز بن رفيع عن أناس من أهل المدينة : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم : قال : من وجدني قائما أو راكعا أو ساجدا فليكن معي على الحالة التي أنا عليها ) . وفي الترمذي نحوه عن علي ومعاذ بن جبل مرفوعا ، وفي إسناده ضعف ، ولكنه يعتضد بما رواه سعيد بن منصور المذكور آنفا . والله أعلم . 115 ( ( بابُ إتْمَامِ التَّكْبِيرِ فِي الرُّكُوعِ ) ) أي : هذا باب ي بيان إتمام التكبير في الركوع . قال الكرماني فإن قلت : الترجمة تامة بدون لفظ : الإتمام ، بأن يقول : باب التكبير في الركوع ، فلا فائدة فيه ، بل هو مخل لأن حقيقة التكبير لا تزيد ولا تنقص . قلت : المراد منه أن يمد التكبير الذي هو للانتقال من القيام إلى الركوع بحيث يتمه في الركوع بأن تقع وراء الله أكبر فيه ، وإتمام الصلاة بالتكبير في الركوع ، أو إتمام عدد تكبيرات الصلاة بالتكبير في الركوع . قلت : يجوز أن يكون المراد من : إتمام التكبير في الركوع ، هو تبيين حروفه من غير