العيني

196

عمدة القاري

عزيمة لا تزول بترك بقية الأذان . انتهى . قلت : كأن الإسماعيلي إنما استشكل هذا بالنظر إلى معنى العزيمة ، وهو ما يكون ثابتا ابتداء غير متصل بمعارض ، ولكن المراد بقول ابن عباس : وإن كانت الجمعة عزيمة ، ولكن المطر من الأعذار التي تصير العزيمة رخصة ، وهذا مذهب ابن عباس : أن من جملة الأعذار لترك الجمعة المطر ، وإليه ذهب ابن سيرين وعبد الرحمن بن سمرة وهو قول أحمد وإسحاق . وقالت طائفة : لا يتخلف عن الجمعة في اليوم المطير ، وروى ابن قانع : قيل لمالك : أتتخلف عن الجمعة في اليوم المطير ؟ قال : ما سمعت ، قيل له : في الحديث : ( ألا صلوا في الرحال ! ) قال : ذلك في السفر ، وقد رخص في ترك الجمعة بأعذار أخر غير المطر ، روى ابن القاسم عن مالك أنه أجاز أن يتخلف عنها لجنازة أخ من إخوانه لينظر في أمره . وقال ابن حبيب عن مالك : وكذا إن كان له مريض يخشى عليه الموت ، وقد زار ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، ابنا لسعد بن زيد ذكر له شكواه ، فأتاه إلى العقيق وترك الجمعة ، وهو مذهب عطاء والأوزاعي . وقال الشافعي في أمر الوالد : إذا خاف فوات نفسه . وقال عطاء : إذا استصرخ على أبيك يوم الجمعة والإمام يخطب فقم إليه واترك الجمعة . وقال الحسن : يرخص ترك الجمعة للخائف ، وقال مالك في ( الواضحة ) : وليس على المريض والصحيح الفاني جمعة . وقال أبو مجلز : إذا اشتكى بطنه لا يأتي الجمعة . وقال ابن حبيب : أرخص صلى الله عليه وسلم في التخلف عنها لمن شهد الفطر والأضحى صبيحة ذلك اليوم من أهل القرى الخارجة عن المدينة ، لما في رجوعه من المشقة لما أصابهم من شغل العيد ، وفعله عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، لأهل الغوالي ، واختلف قول مالك فيه ، والصحيح عند الشافعية : السقوط ، واختلف في تخلف العروس والمجذوم ، حكاه ابن التين ، واعتبر بعضهم شدة المطر ، واختلف عن مالك : هل عليه أن يشهدها ؟ وكذا روي عنه ، فيمن يكون مع صاحبه فيشتد مرضه : لا يدع الجمعة إلاّ أن يكون في الموت . قوله : ( أن أحرجكم ) من الإحراج ، بالحاء المهملة وبالجيم من : الحرج ، وهو المشقة . والمعنى : إني كرهت أن أشق عليكم بإلزامكم السعي إلى الجمعة في الطين والمطر . ويروى : ( أن أخرجكم ) من الإخراج ، بالخاء المعجمة من الخروج . ويروى : ( كرهت أو أؤثمكم ) أي : أن أكون سببا لاكتسابكم الإثم عند ضيق صدوركم . قوله : ( في الدحض ) ، بفتح الدال والحاء المهملتين وفي آخره ضاد معجمة ، ويجوز تسكين الحاء وهو : الزلق . قال في ( المطالع ) : كذا في رواية الكافة ، وعند القابسي بالراء ، وفسره بعضهم بما يجري في البيوت من الرحاضة ، وهو بعيد إنما الرحض : الغسل ، والمرحاض خشبة يضرب بها الثوب ليغسل عند الغسل ، وأما ابن التين فإنه ذكره بالراء . قال : وكذا لأبي الحسن ، ورحضت الشيء غسلته ، ومنه المرحاض ، أي : المغتسل ، فوجهه أن الأرض حين يصيبها المطر تصير كالمغتسل ، والجامع بينهما : الزلق . 15 ( ( بابٌ مِنْ أيْنَ تُؤْتَى الجُمُعَةُ وعَلَى عَنْ تَجِبُ لِقَوْلِ الله عَزَّ وجَلَّ * ( إذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ الله ) * ( الجمعة : 9 ) . ) ) أي : هذا باب ترجمته : من أين تؤتى الجمعة ؟ وكلمة : أين ، استفهام عن المكان . وقوله : تؤتى ، مجهول من الإتيان . قوله : ( وعلى من تجب ؟ ) أي : الجمعة . قوله : ( لقوله تعالى ) يتعلق بقوله : ( تجب ) ، وأراد بإيراده بعض هذه الآية الكريمة الإشارة إلى وجوب الجمعة ، وهذا لا خلاف فيه ، ولكن الخلاف فيمن تجب عليه ، فكأنه ذكر الترجمة بالاستفهام لهذا المعنى ، وقد تكلمنا فيما يتعلق بالآية الكريمة في أول كتاب الجمعة لأنه ذكر الآية الكريمة هناك . وقَالَ عَطَاءٌ إذَا كُنْتُ فِي قَرْيَةٍ جامِعَةٍ فَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَحَقَّ عَلَيْكَ أنْ تَشْهَدَهَا سَمعْت النِّدَاءَ أوْ لَمْ تَسْمَعْهُ عطاء هو : ابن أبي رباح ، ووصله عبد الرزاق عن ابن جريج عنه ، وزاد في روايته : عن ابن جريج أيضا قلت لعطاء : ما القرية الجامعة ؟ قال : ذات الجماعة والأمير والقاضي والدور المجتمعة الآخذ بعضها ببعض ، مثل جدة . انتهى . قلت : هذا الذي ذكره حد المدينة أطلق عليها اسم القرية . كما في قوله تعالى : على رجل من القريتين ) * ( الزخرف : 31 ) . وهما : مكة والطائف ، وبهذا قال أصحابنا الحنفية . قوله : ( سمعت النداء أو لم تسمعه ) يعني : إذا كان داخل البلد ، وبهذا صرح