العيني

161

عمدة القاري

11 ( ( كِتَابُ الجُمُعَةِ ) ) هذا كتاب في بيان أحكام الجمعة ، وقد ذكرنا فيما مضى : أن الكتاب يجمع الأبواب ، والأبواب تجمع الفصول ، وهذه الترجمة ثبتت في رواية الأكثرين ، ولكن منهم من قدمها على البسملة ، والأصل تقديم البسملة ، وليست هذه الترجمة موجودة في رواية كريمة وأبي ذر عن الحموي ، وهي ، بضم الميم على المشهور ، وحكى الواحدي إسكان الميم وفتحها ، وقرئ بها في الشواذ ، قاله الزمخشري . وقال الزجاج : قرىء بكسرها أيضا وقال الفراء : خففها الأعمش وثقلها عاصم وأهل الحجاز ، وقال الأزهري : من ثقل اتبع الضمة الضمة ، ومن خفف فعلى الأصل ، والقراء قرءوها بالتثقيل . وفي ( الموعب ) لابن التياني : من قال بالتسكين قال في جمعه جمع ، ومن قال بالتثقيل قال في جمعه جمعات . ثم اختلفوا في تسمية هذا اليوم بالجمعة ، فروي عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، أنه قال : إنما سمي يوم الجمعة لأن الله تعالى جمع فيه خلق آدم ، عليه الصلاة والسلام ، وروى ابن خزيمة عن سلمان ، رضي الله تعالى عنه ، مرفوعا : ( يا سلمان ما تدري يوم الجمعة ؟ قلت : الله أعلم ورسوله أعلم . قال : به جمع أبوك أو أبوكم ) وفي ( الأمالي ) لثعلب : إنما سمي يوم الجمعة لأن قريشا كانت تجتمع إلى قصي في دار الندوة . وقيل : لأن كعب بن لؤي كان يجمع فيه قومه فيذكرهم ويأمرهم بتعظيم الحرم ، ويخبرهم بأنه سيبعث منه نبي . وروى ذلك الزبير في ( كتاب النسب ) عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن مقطوعا . وفي كتاب ( الداودي ) : سمي يوم الجمعة يوم القيامة لأن القيامة تقوم فيه الناس . وقال ابن حزم : وهو اسم إسلامي . ولم يكن في الجاهلية ، إنما كانت تسمى في الجاهلية : العروبة ، فسميت في الإسلام : الجمعة ، لأنه يجتمع فيه للصلاة ، اسما مأخوذا من الجمع ، وفي تفسير عبد بن حميد : أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال : جمع أهل المدينة قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وقبل أن تنزل الجمعة ، وهم الذين سموها : الجمعة . وذلك أن الأنصار قالوا : لليهود يوم يجتمعون فيه كل سبعة أيام ، وكذا للنصارى ، فهلم فلنجهل يوما نجتمع فيه ، ونذكر الله ونصلي ونشكره ، فاجعلوه يوم العروبة ، وكانوا يسمون يوم الجمعة : يوم العروبة ، فاجتمعوا إلى أسعد فصلى بهم ركعتين وذكرهم فسموا : الجمعة ، حين اجتمعوا إليه ، وذبح لهم أسعد شاة فتغدوا وتعشوا من شاة ، وذلك لقلتهم ، فأنزل الله في ذلك بعد : * ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة . . . ) ( الجمعة : 9 ) . الآية . انتهى . وقال الزجاج والفراء وأبو عبيد وأبو عمرو : كانت العرب العاربة تقول ليوم السبت : شبار ، وليوم الأحد : أول ، وليوم الاثنين : أهون ، وليوم الثلاثاء : جبار ، وللأربعاء : دبار ، وللخميس : مؤنس ، وليوم الجمعة : العروبة ، وأول من نقل العروبة إلى يوم الجمعة : كعب بن لؤي ، ثم لفظ الجمعة بسكون الميم ، بمعنى المفعول أي : اليوم المجموع فيه ، وبفتحها بمعنى الفاعل ، أي : اليوم الجامع للناس . قال الكرماني : فإن قلت : لِمَ أنَّث الجمعة وهو صفة اليوم ؟ قلت : ليست التاء للتأنيث ، بل للمبالغة كما يقال : رجل علامة ، أو : هي صفة للساعة . 1 بابُ فَرْضِ الجُمُعَةِ أي : هذا باب في بيان فرض الجمعة ، واستدل على ذلك بقوله . لِقَوْلِ الله تعالَى * ( إذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ الله وذَرُوا البَيْعَ ذالِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * قد قلنا إنه استدل على فرضية صلاة الجمعة بقوله تعالى : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) * ( الجمعة : 9 ) . الآية ، ووقع ذكر الآية عند الأكثرين إلى قوله : * ( وذروا البيع ) * ( الجمعة : 9 ) . وفي رواية كريمة وأبي ذر ، ساق جميع الآية . قوله : ( * ( إذا نودي للصلاة ) * ) ( الجمعة : 9 ) . أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة ، يدل على ذلك ما روى الزهري عن السائب بن يزيد : ( كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذن واحد لم يكن له مؤذن غيره ، وكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر أذن على المسجد ، فإذا نزل أقام الصلاة ، ثم كان أبو بكر ، رضي الله تعالى عنه ، كذلك وعمر ، رضي الله تعالى عنه ، كذلك حتى إذا كان عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، وكثر الناس وتباعدت المنازل زاد أذانا ، فأمر بالتأذين الأول على دار له بالسوق ، يقال