العيني
162
عمدة القاري
له : الزوراء ، فكان يؤذن له عليها ، فإذا جلس عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، على المنبر أذن مؤذنه الأول ، فإذا نزل أقام الصلاة فلم يعب ذلك عليه ) . قوله : ( من يوم ) ، بيان : لإذا ، وتفسير له . وقيل : من يوم الجمعة أي : في يوم الجمعة ، كقوله تعالى : * ( أروني ماذا خلقوا من الأرض ) * ( فاطر : 240 والأحقاف : 40 ) . أي : في الأرض قوله : ( * ( إلى ذكر الله ) * ) أي : إلى الصلاة ، وعن سعيد بن المسيب : فاسعوا إلى ذكر الله إلى موعظة الإمام ، وقيل إلى ذكر الله ، إلى الخطبة والصلاة . قوله : ( وذروا البيع ) أي : اتركوا البيع والشراء ، لأن البيع يتناول المعنيين جميعا ، وإنما يحرم البيع عند الأذان الثاني ، وقال الزهري : عند خروج الإمام . وقال الضحاك : إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء ، وقيل : أراد الأمر بترك ما يذهل عن ذكر الله من شواغل الدنيا ، وإنما خص البيع من بينها لأن يوم الجمعة يوم يهبط الناس فيه من قراهم وبواديهم وينصبون إلى المصر من كل أوب ، ووقت هبوطهم واجتماعهم واغتصاص الأسواق بهم إذا انفتح النهار وتعالى الضحى ، ودنا وقت الظهيرة ، وحينئذ تحر التجارة ويتكاثر البيع والشراء ، فلما كان ذلك الوقت مظنة الذهول بالبيع عن ذكر الله ، والمضي إلى المسجد ، قيل لهم : بادروا تجارة الآخرة ، واتركوا تجارة الدنيا ، واسعوا إلى ذكر الله الذي لا شيء أنفع منه وأربح ، وذروا البيع الذي نفعه يسير وربحه متقارب . قوله : ( ذلكم ) الكاف فيه حرف الخطاب ، كالتاء في : أنت ، وذلك للدلالة على أحوال المخاطبين وعددهم ، فإذا أشرت إلى واحد مذكر وخاطبت مثله قلت : ذلك ، وإذا خاطبت اثنين قلت : ذلكما ، وإذا خاطبت جمعا قلت : ذلكم ، وإذا خاطبت إناثا قلت : ذلكن . قوله : ( فاسعوا فامضوا ) ، هذه في رواية أبي ذر الحموي وحده ، وهو تفسير منه للمراد بالسعي هنا ، بخلاف قوله في الحديث الآخر : ( فلا تأتوها تسعون ) ، فإن المراد به الجري وفي تفسير النسفي : * ( فاسعوا إلى ذكر الله ) * ( الجمعة : 9 ) . فامضوا إليه واعملوا له ، وعن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنه : سمعت عمر ، رضي الله تعالى عنه . يقرأ : فامضوا إلى ذكر الله ، وعنه : ما سمعت عمر يقرؤها قط إلا : فامضوا إلى ذكر الله . وروى الأعمش عن إبراهيم : كان عبد الله يقرؤها : فامضوا إلى ذكر الله ، ويقول : لو قرأتها : فاسعوا لسعيت حتى يسقط ردائي ، وهي قراءة أبي العالية ، وعن الحسن : ليس السعي على الأقدام ولقد نهوا أن يأتوا المسجد إلاّ وعليهم السكينة والوقار ، ولكن بالقلوب والنية والخشوع . وعن قتادة : أنه كان يقول في هذه الآية : * ( فاسعوا ) * : أن : تسعى بقلبك وعملك ، وهي المشي إليها . وقال الشافعي : السعي في هذا الموضع هو العمل ، فإن الله يقول : * ( إن سعيكم لشتى ) * ( الليل : 4 ) . وقال تعالى : * ( وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى ) * ( النجم : 39 ) . وقال تعالى ) * ( وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ) * . ( البقرة : 205 ) [ / ح . ثم فرضية الجمعة : باكتاب والسنة والإجماع ونوع من المعنى : أما الكتاب : فالآية المذكورة ، والمراد من الذكر فيها الخطبة باتفاق المفسرين ، والأمر للوجوب ، فإذا فرض السعي إلى الخطبة التي هي شرط جواز الصلاة فإلى أصل الصلاة كان أوجب ، ثم أكد الوجوب بقوله : ( وذروا البيع ) فحرم البيع بعد النداء ، وتحريم المباح لا يكون إلاّ من أجل واجب . . وأما السنة : فحديث جابر وأبي سعيد قالا : ( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم . . ) . الحديث ، وفيه : ( واعلموا أن الله فرض عليكم صلاة الجمعة . . ) الحديث . رواه البيهقي . وروى أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( الجمعة على من سمع النداء ) ، وعن حفصة ، رضي الله تعالى عنها ، أنه صلى الله عليه وسلم قال : ( رواح الجمعة واجب على كل محتلم ) ، رواه النسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم ، قاله النووي . وأما الإجماع : فإن الأمة قد أجمعت من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم : إلى يومنا هذا على فرضيتها من غير إنكار ، لكن اختلفوا في أصل الفرض في هذا الوقت ، فقال الشافعي : في الجديد ، وزفر ومالك وأحمد ومحمد في رواية : فرض الوقت الجمعة ، والظهر بدل عنها . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف الشافعي ، في القديم : الفرض هو الظهر ، وإنما أمر غير المعذور بإسقاطه بأداء الجمعة . وقال محمد ، في رواية : فرضه أحدهما غير عين ، والتعيين إليه . وفائدة الخلاف تظهر في حر مقيم أدى الظهر في أول وقته يجوز مطلقا ، حتى لو خرج بعد أداء الظهر إليها أو لم يخرج لم يبطل فرضه ، لكن عند أبي حنيفة يبطل بمجرد السعي مطلقا ، وعندهما : لا يبطل إلاّ إذا أدرك ، وعند الشافعي ومن معه : لا يجوز ظهره ، سواء أدرك الجمعة أو لا ، خرج إليها أولاً . وأما المعنى فلأنا أمرنا بترك الظهر لإقامة الجمعة ، والظهر فريضة ولا يجوز ترك الفرض إلاّ لفرض هو آكد منه ، وأولى ، فدل على أن الجمعة آكد من الظهر في الفرضية ، فصارت الجمعة فرض عين . وقال الخطابي أكثر الفقهاء على أنها من فروض الكفاية . قال : هذا غلط ، وحكى أبو الطيب عن بعض أصحاب الشافعي : غلط من قال إنها فرض كفاية . قلت : ابن كج يقول : إنها فرض كفاية ،