العيني
146
عمدة القاري
ما أراه ، بضم الهمزة أي : ما أظنه صلى الله عليه وسلم يعني أي يقصد نيه ، أي : ني الثوم . وقال بعضهم : وأظن السائل ابن جريج والمسؤول عطاء . قلت : الذي قلنا هو الأقرب والأوجه على ما لا يخفى ، وبه جزم الكرماني . قوله : ( قال مخلد ) ، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة : ابن يزيد من الزيادة أبو الحسن الحراني ، مات سنة ثلاث وتسعين ومائة . قوله : ( عن ابن جريج ) يعني : يروي عن عبد الملك بن جريج : ( إلا نتنه ) بفتح النونين بينهما تاء مثناة من فوق ساكنة ، يعني : قال بدل : نيه نتنه . وهو الرائحة الكريهة ، وهذا التعليق يخالف ما رواه جماعة عن ابن جريج ، فإن أبا عوانة رواه في ( صحيحه ) من طريق روح ابن عبادة : عن ابن جريج كما رواه أبو عاصم عن ابن جريج ، وكذلك رواه عبد الرزاق عن ابن جريج نحوه ، وكذلك رواه أبو نعيم في ( المستخرج ) من طريق ابن أبي عدي عن ابن جريج ، فلفظ الكل : النيء ، لا النتن . ذكر ما يستفاد منه : فيه : كراهة أكل الثوم النىء ، ولا يحرم ، أما الكراهة فلرائحته الكريهة ، ولهذا قال : ( من أكل من هذه الشجرة فلا يغشانا في مسجدنا ) ، وأما عدم الحرمة فلقوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر الذي يأتي في هذا الباب : ( كل فإني أناجي من لا تناجي ) . وقال ابن بطال . قوله صلى الله عليه وسلم : ( من أكل ) يدل على إباحة أكل الثوم ، لأنه لفظ يدل على الإباحة ، وتعقب بأن هذه الصيغة إنما تعطي الوجود لا الحكم ، لأن معناه من وجد منه الأكل ، وهو أعم من كونه مباحا أو غير مباح . قلت : فلا حاجة إلى الاستدلال على الإباحة بهذه الطريقة ، فإن حديث جابر يدل على إباحته صريحا ، وكذلك حديث أبي أيوب . رواه الترمذي : حدثنا محمود بن غيلان حدثنا أبو داود أنبأنا شعبة عن سماك بن حرب سمع جابر بن سمرة يقول : ( نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي أيوب ، وكان إذا أكل طعاما بعث إليه بفضله ، فبعث إليه يوما بطعام ولم يأكل منه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أتى أبو أيوب النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال النبي صلى الله عليه وسلم : فيه الثوم ، فقال : يا رسول الله أحرام هو ؟ قال : لا ، ولكني أكرهه من أجل ريحه ) . وقال الترمذي أيضا : حدثنا محمد بن حميد حدثنا زيد بن الخباب عن أبي خلدة عن أبي العالية قال : الثوم من طيبات الرزق ، وأبو خلدة اسمه : خالد بن دينار ، وهو ثقة عند أهل الحديث ، وقد أدرك أنس بن مالك وسمع منه ، وأبو العالية اسمه : رفيع وهو الرباحي ، وهو الذي ذكرنا أكله في الثوم النىء لأجل رائحته ، وأما الثوم المطبوخ منه فلا يكره ، لما روى أبو داود : حدثنا مسدد قال : حدثنا الجراح أبو وكيع عن أبي إسحاق عن شريك عن علي ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( نهى عن أكل الثوم إلاّ مطبوخا ) . وروى أيضا عن حديث معاوية بن قرة عن أبيه : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن هاتين الشجرتين ، وقال : من أكلهما فلا يقربن مسجدنا ، ، وقال : إن كنتم لا بد آكليهما فأميتوهما طبخا ) . ثم إن حديث الباب في الثوم فقط ، وسيجئ حديث جابر ، رضي الله تعالى عنه ، في هذا الباب : أن البصل مثل الثوم ، وأن الخضرات من البقول التي لها رائحة كذلك ، ويدخل فيه الكراث والفجل أيضا ، ونص على الفجل في ( المعجم الصغير ) للطبراني ، وذكره مع الثوم والكراث ، ونقل ابن التين عن مالك قال : الفجل ، إن كان يظهر ريحه فهو كالثوم ، وقيده عياض بالجشاء . وفي ( التوضيح ) : وشذ أهل الظاهر فحرموا هذه الأشياء لإفضائها إلى ترك الجماعة ، وهي عندهم فرض عين ، وتقريره أن يقال : صلاة الجماعة فرض عين ، ولا يتم إلاّ بترك أكلها . وما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب ، فترك أكلها واجب ، فتكون حراما . قلت : صرح ابن حزم منهم بأن أكلها حلال مع قوله بأن الجماعة فرض عين . وفيه : ترك الإتيان إلى المسجد عند أكل الثوم ونحوه ، وهو بعمومه يتناول المجامع : كمصلى العيد والجنازة ومكان الوليمة ، وحكم رحبة المسجد حكمه ، لأنها منه ، وخص القاضي عياض الكراهة بما إذا كان معهم غيرهم ، أما إذا كان كلهم أكلوه فلا ، ولكن ينبغي احترام الملائكة ، وليس المراد بالملائكة الحفظة . قلت : العلة أذى الملائكة وأذى المسلمين ، فيختص النهي بالمساجد وما في معناها ، ولا يختص بمسجده صلى الله عليه وسلم ، بل المساجد كلها سواء عملاً برواية : مساجدنا ، بالجمع وشذ من خصه بمسجده صلى الله عليه وسلم . ويلحق بما نص عليه في الحديث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها ، وإنما خص الثوم هنا بالذكر ، وفي غيره أيضا بالبصل والكراث لكثرة أكلهم بها ، وكذلك ألحق بذلك بعضهم من بفيه بخر ، أو به جرح له رائحة ، وكذلك القصاب والسماك والمجذوم والأبرص أولى بالإلحاق ، وصرح بالمجذوم ابن بطال ، ونقل عن سحنون ، لا أرى الجمعة عليه ، واحتج بالحديث . وألحق بالحديث : كل من آذى الناس بلسانه في المسجد ، وبه أفتى ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، وهو أصل في نفي كل ما يتأذى به ولا يبعد أن يعذر من كان معذورا بأكل ما له ريح كريهة ، لما روى