العيني
119
عمدة القاري
القنوت عن قتيبة به . وأخرجه ابن ماجة في الدعاء عن محمد بن رمح به ، ورواه غير واحد فجعله من مسند عبد الله بن عمرو ابن العاص منهم : عمرو بن الحارث ، خالف الليث فجعله من مسند عبد الله بن عمرو ، ولفظه : ( عن أبي الخير أنه سمع عبد الله ابن عمرو يقول : إن أبا بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم . . . ) هكذا رواه ابن وهب عن عمرو بن الحارث . وأما مقتضى رواية الليث بن سعيد عن يزيد ابن أبي حبيب عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو عن أبي بكر إلى آخره : أن الحديث من مسند أبي بكر ، رضي الله تعالى عنه ، وأوضح من ذلك رواية أبي الوليد الطيالسي عن الليث ، فإن لفظه : عن أبي بكر الصديق ، رضي الله تعالى عنه ، قال : قلت : يا رسول الله . . . أخرجه البزار من طريقه ، ولا يقدح هذا الاختلاف في صحة هذا الحديث . وقد أخرج البخاري طريق عمرو معلقة في الدعوات ، وموصولة في التوحيد عن يحيى بن سلمان عن عمرو ، وكذا أخرج مسلم الطريقين طريق الليث وطريق ابن وهب ، وزاد مع عمرو بن الحارث رجلاً مبهما ، وبين ابن خزيمة في روايته أنه : عبد الله بن لهيعة . ذكر معناه : قوله : ( ادعو به ) ، جملة في محل النصب لأنها صفة لقوله : ( دعاه ) الذي هو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله : ( علمني ) . قوله : ( في صلاتي ) ، ظاهره وعموم جميع الصلاة ، ولكن المراد في حالة القعود بعد التشهد قبل الإسلام ، كما حققنا هكذا فيما مضى ، وقد قال الشيخ تقي الدين : لعله يترجح كونه فيما بعد التشهد لظهور العناية بتعليم دعاء مخصوص في هذا المحل ، ونازعه بعضهم فقال : الأولى الجمع بينهما في المحلين المذكورين أي : السجود والتشهد . قلت : لا دليل له على دعوى الأولوية : بل الدليل الصريح قام على أن محله في الجلسة ، وقد مضى بيانه في أول الباب الذي قبله . قوله : ( ظلمت نفسي ) يعني بإتيان ما يوجب العقوبة . قوله : ( ظلما كثيرا ) بالثاء المثلثة ، ويروى بالباء الموحدة ، وكذا هو في رواية مسلم . وقال النووي : فينبغي إن يقول : ظلما كبيرا كثيرا . قوله : ( ولا يغفر الذنوب إلاّ أنت ) جملة معترضة بين قوله : ( ظلمت نفسي ظلما كثيرا ) وبين قوله : ( فاغفر لي مغفرة ) . وفائدة هذه الجملة الإشارة إلى الإقرار بأن الله هو الذي يغفر الذنوب ، وليس ذلك لغيره . وفي الحقيقة : هو إقرار أيضا بالوحدانية ، لأن مَن صفته غفران الذنوب هو الموصوف بالوحدانية ، والتنوين في قوله : ( مغفرة ) يدل على أنه غفران لا يكتنه كنهه . قوله : ( من عندك ) إشارة إلى مزيد ذلك التعظيم ، لأن ما يكون من عنده لا يحيط به وصف الواصفين . وقال ابن الجوزي : هو طلب مغفرة متفضل بها لا يقتضيها سبب من جهة العبد من عمل صالح وغيره ، وحاصله : هب لي المغفرة وإن لم أكن أهلاً لها بعملي ، وكمل الكلام وختمه بقوله : ( وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم ) . وفي هاتين الصفتين مقابلة حسنة لأن قوله : ( الغفور ) مقابل لقوله : ( اغفر لي ) وقوله : ( الرحيم ) مقابل لقوله : ( ارحمني ) ، ولنا أن نقول : فيه لف ونشر مرتب . ذكر ما يستفاد منه : فيه : طلب التعليم من العالم في كل ما فيه خير ، خصوصا الدعوات التي فيها جوامع الكلم . وفيه : الاعتراف بالتقصير ونسبة الظلم إلى نفسه . وفيه : الاعتراف بأن الله سبحانه هو المتفضل المعطي من عنده رحمة على عباده من غير مقابلة عمل حسن . وفيه : استحباب قراءة الأدعية في آخر الصلاة من الدعوات المأثورة أو المشابهة لألفاظ القرآن . وقال الكرماني : قالت الشافعية : يجوز الدعاء في الصلاة بما شاء من أمر الدنيا والآخرة ما لم يكن إثما قال ابن عمر : لأدعو في صلاتي حتى بشعير حماري وملح بيتي . انتهى . وقد ذكرنا فيما مضى أنه لا يدعو إلاّ بالأدعية المأثورة ، أو بما يشبه ألفاظ القرآن ، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ) ، وهو من أفراد مسلم . 150 ( ( بابُ ما يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ ولَيْسَ بِوَاجِبٍ ) ) أي : هذا باب في بيان ما يتخير المصلي من الدعاء بعد فراغه من التشهد ، يعني : قراءة التحيات ، والحال أنه ليس بواجب . أشار بهذا إلى أن حديث الباب الذي فيه الأمر وهو قوله : ( ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه ) ليس للوجوب