العيني

188

عمدة القاري

وليس بين حديثيهما تضاد ولا تهاتر ولا ناسخ ولا منسوخ ، بل مجمل مفسر . وإذا ضم بعضها إلى بعض بطل التضاد بينهما ، واستعمل كل خبر في موضعه . بيان ذلك أنه صلى الله عليه وسلم صلى في علته صلاتين في المسجد جماعة لا صلاة واحدة ، في إحداهما : كان إماما ، وفي الأخرى كان مأموما ، والدليل على أن ذلك في خبر عبد الله بن جريج : بين رجلين أحدهما العباس والآخر علي ، رضي الله تعالى عنه . وفي خبر مسروق : خرج بين بريرة ونوبة ، فهذا يدلك على أنها كانت صلاتين لا صلاة واحدة ، وكذلك التوفيق بين كلام نعيم بن أبي هند ، وبين كلام عاصم بن أبي النجود في متن خبر أبي وائل ، فإن فيه : ( وجئ بنبي لله صلى الله عليه وسلم فوضع بحذاء أبي بكر في الصف ) قال أبو حاتم : في هذه الصلاة كان النبي صلى الله عليه وسلم مأموما وصلى قاعدا خلف أبي بكر ، فإن عاصما جعل أبا بكر مأموما وجعل نعيم أبا بكر إماما ، وهما ثقتان حافظان متقنان . وذكر أبو حاتم أنه صلى الله عليه وسلم خرج بين الجاريتين إلى الباب ، ومن الباب أخذه العباس وعلي ، رضي الله تعالى عنهما ، حتى دخلا به المسجد ، وذكر الدارقطني في ( سننه ) : ( خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يهادي بين الرجلين : أسامة والفضل ، حتى صلى خلف أبي بكر ) ، فيما ذكره السهيلي ، وزعم بعض الناس أن طريق الجمع أنهم كانوا يتناوبون الأخذ بيده صلى الله عليه وسلم ، وكان العباس ألزمهم بيده ، وأولئك يتناوبونها ، فذكرت عائشة أكثرهم ملازمة ليده وهو : العباس ، وعبرت عن أحد المتناوبين برجل آخر . فإن قلت : ليس بين المسجد وبيته صلى الله عليه وسلم مسافة تقتضي التناوب . قلت : يحتمل أن يكون ذلك لزيادة في إكرامه صلى الله عليه وسلم ، أو لالتماس البركة من يده وفي حديث حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان وجعا ، فأمر أبا بكر يصلي بالناس ، فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة فجاء فقعد إلى جنب أبي بكر ، فأم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وهو قاعد ، وأم أبو بكر الناس وهو قائم ) . وفي حديث قيس عن عبد الله ابن أبي السفر عن الأرقم بن شرحبيل عن ابن عباس عن العباس بن عبد المطلب : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه : مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ، ووجد النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في نفسه خفة ، فخرج يهادي بين رجلين ، فتأخر أبو بكر فجلس إلى جنب أبي بكر ، فقرأ من المكان الذي انتهى إليه أبو بكر من السورة ) ، وفي حديث ابن خزيمة أخرجه عن سالم بن عبيد قال : ( مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغمي عليه ، ثم أفاق فقال : أحضرت الصلاة ؟ قلن : نعم . قال : مروا بلالاً فليؤذن ، ومروا أبا بكر فليصلِّ بالناس ، ثم أغمي عليه ) . فذكر الحديث . وفيه : ( أقيمت الصلاة ؟ ) قلن : نعم . قال : جيئوني بإنسان فأعتمد عليه ، فجاؤوا ببريرة ورجل آخر فاعتمد عليهما . ثم خرج إلى الصلاة ، فأجلس إلى جنب أبي بكر فذهب أبو بكر يتنحى ، فأمسكه حتى فرغ من الصلاة ) . وفي كتاب عبد الرزاق : أخبرني ابن جريج ، أخبرني عطاء قال : ( اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر أبا بكر يصلي بالناس ، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم للناس يوما قاعدا وجعل أبا بكر وراءه بينه وبين الناس ، قال : فصلى الناس وراءه قياما ، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا ) . وعند أبي داود من حديث عبد الله بن زمعة ، لما قال صلى الله عليه وسلم : ( مروا أبا بكر يصلي بالناس ) ، خرج عبد الله ابن زمعة ، فإذا عمر في الناس ، وكان أبو بكر غائبا ، فقال : قم يا عمر فصلِّ بالناس ، فتقدم ، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته قال : أين أبو بكر ؟ يأبى الله ذلك والمسلمون . فبعث إلى أبي بكر فجاء بعد أن صلي عمر تلك الصلاة ، فصلى أبو بكر بالناس . ذكر معناه : قوله : ( والتعظيم لها ) ، بالنصب عطفا على : المواظبة ، قوله : ( مرضه الذي مات فيه ) ، قد بيَّن الزهري في روايته كما في الحديث الثاني من هذا الباب ، أن ذلك كان بعد أن اشتد به المرض واستقر في بيت عائشة . قوله : ( فأذن ) ، على صيغة المجهول ، من : التأذين . وفي رواية الأصيلي : وأذن بالواو ، وقال بعضهم : وهو أوجه قلت : لم يبين ما وجه الأوجهية ، بل الفاء أوجه على ما لا يخفى . قوله : ( وإذن ) أي : بالصلاة كما في رواية أخرى جاء كذلك ، وفي أخرى : وجاء بلال يؤذنه بالصلاة ، وفي أخرى : إن هذه الصلاة صلاة الظهر . وفي مسلم : خرج لصلاة العصر . قوله : ( مروا ) أصله : أؤمروا ، لأنه من : أمر ، فحذفت الهمزة للاستثقال ، واستغني عن الألف فحذفت ، فبقي : مروا ، على وزن : علو ، لأن المحذوف فاء الفعل . وقال الكرماني : وهذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ، ولفظ : مروا ، يدل على أنهم الأمرون لا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أجاب بقوله : الأصح عند الأصولي أن المأمور بالأمر بالشيء ليس أمرا به ، سيما وقد صرح النبي بقوله ههنا بلفظ الأمر ، حيث قال : فليصل . انتهى . هذه مسألة معروفة في الأصول ، وفيها خلاف . قال بعضهم : إن الأمر بالأمر بالشيء يكون أمرا به ، ومنهم من منع