العيني

189

عمدة القاري

ذلك ، وقالوا : معناه : بلغوا فلانا أني أمرته . قوله : ( فليصل بالناس ) الفاء فيه للعطف ، تقديره : فقولوا له قولي : فليصل . قوله : ( فقيل له ) ، قائل ذلك عائشة ، كما جاء في بعض الروايات . قوله : ( أسيف ) على وزن : فعيل ، بمعنى : فاعل ، من الأسف وهو شدة الحزن ، والمراد : أنه رقيق القلب سريع البكاء ولا يستطيع لغلبة البكاء وشدة الحزن ، والأسف عند العرب شدة الحزن والندم . يقال منه : أسف فلان على كذا يأسف ، إذا اشتد حزنه ، وهو رجل أسيف وأسوف ، ومنه قول يعقوب ، عليه الصلاة والسلام : * ( يا أسفي على يوسف ) * ( يوسف : 84 ) يعني : واحزناه واجزعاه تأسفا وتوجعا لفقده . وقيل : الأسيف : الضعيف من الرجال في بطشه . وأما الأسف فهو : الغضبان المتلهف . قال تعالى : * ( فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا ) * ( الأعراف : 150 ) . وسيأتي بعد ستة أبواب من حديث ابن عمر في هذه القصة ، ( فقالت له عائشة : إنه رجل رقيق القلب إذا قرأ غلبه البكاء ) . ومن رواية مالك عن هشام عن أبيه عنها ، بلفظ ، قالت عائشة : ( قلت : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر ، رضي الله تعالى عنه ) ، كما ذكرناه عن قريب . قوله : ( وأعاد ) أي : رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مقالته في أبي بكر بالصلاة . قوله : ( فأعادوا له ) أي : من كان في البيت ، يعني : الحاضرون له مقالتهم في كون أبي بكر أسيفا . فإن قلت : الخطاب لعائشة كما ترى ، فما وجه الجمع ؟ قلت : جمع لأنهم كانوا في مقام الموافقين لها على ذلك ، ووقع في حديث أبي موسى بالإفراد ، ولفظه : فعادت ، وفي رواية ابن عمر : فعاودته . قوله : ( فأعاد الثالثة ) ، أي : فأعاد ، صلى الله عليه وسلم ، المرة الثالثة في مقالته تلك . وفي رواية أخرى : ( فراجعته مرتين أو ثلاثا ) . وفي اجتهاد عائشة في أن لا يتقدم والدها وجهان : أحدهما : ما هو مذكور في بعض طرقه . ( قالت ) ( وما حملني على كثرة مراجعته إلاَّ أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس من بعده رجلاً قام مقامه أبدا ، وكنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلاَّ تشاءم الناس به ، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر ) . الوجه الثاني : أنها علمت أن الناس علموا أن أباها يصلح للخلافة ، فإذا رأوه استشعروا بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف غيره . قوله : ( إنكن صواحب يوسف ) أي : مثل صواحبه في التظاهر على ما يردن من كثرة الإلحاح فيما يمكن إليه ، وذلك لأن عائشة وحفصة بالغتا في المعاودة إليه في كونه أسيفا لا يستطيع ذلك . والصواحب جمع : صاحبة ، على خلاف القياس ، وهو شاذ . وقيل : يراد بها امرأة العزيز وحدها ، وإنما جمعها كما يقال : فلان يميل إلى النساء وإن كان مال إلى واحدة ، وعن هذا قيل : إن المراد بهذا الخطاب عائشة وحدها ، كما أن المراد زليخا وحدها في قصة يوسف . قوله : ( فليصل بالناس ) ، وفي رواية الكشميهني : ( للناس ) . قوله : ( فخرج أبو بكر يصلي ) فإن قلت : كيف تتصور الصلاة وقت الخروج ؟ قلت : لفط : يصلي ، وقع حالاً من الأحوال المنتظرة . وفي رواية : فصلى ، بفاء العطف ، وهي رواية المستملي والسرخسي ، ورواية غيرهما : يصلي ، بالياء آخر الحروف . وظاهره أنه شرع في الصلاة ، ويحتمل أنه تهيأ لها ، ويؤيده رواية الأكثرين لأنه حال ، ففي حالة الخروج كان متهيأ للصلاة ولم يكن مصليا . فإن قلت : في رواية أبي معاوية عن الأعمش : فلما دخل في الصلاة . قلت : يحتمل أن يكون المعنى : فلما أراد الدخول في الصلاة ، أو : فلما دخل في مكان الصلاة ، وفي رواية موسى بن أبي عائشة : فأتاه الرسول ، أي : بلال لأنه هو الذي أعلم بحضور الصلاة . وفي رواية : فقال له : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس . فقال أبو بكر ، وكان رجلاً رقيقا ، يا عمر ! صل بالناس . فقال له عمر : أنت أحق بذلك ) . وقول أبي بكر هذا لم يرد به ما أرادت عائشة . قال النووي : تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعا وليس كذلك ، بل قاله للعذر المذكور ، وهو أنه رقيق القلب كثير البكاء ، فخشي أن لا يسمع الناس . وقيل : يحتمل أن يكون ، رضي الله تعالى عنه ، فهم من الإمامة الصغرى الإمامة الكبرى ، وعلم ما في تحملها من الخطر ، وعلم قوة عمر ، رضي الله تعالى عنه ، على ذلك فاختاره . ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح . قوله : ( فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة ) ظاهره : أنه صلى الله عليه وسلم وجدها في تلك الصلاة بعينها ، ويحتمل أن يكون ذلك بعدها . وفي رواية موسى بن أبي عائشة : فصلى أبو بكر تلك الأيام ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد من نفسه خفة ، فعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء ، قوله : ( يهادي بين رجلين ) ، بلفظ : المجهول من المفاعلة ، يقال : جاء فلان يهادي بين اثنين ، إذا كان يمشي بينهما معتمدا عليهما من ضعفه ، متمايلاً ، إليهما في مشيه من شدة الضعف ، والرجلان هما : العباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب ، رضي الله تعالى عنهما ، على ما يأتي في الحديث الثاني من حديثي الباب ، وقد مر في بيان اختلاف