العيني

102

عمدة القاري

وغيره . والآذان في اللغة : الإعلام . قال الله تعالى : * ( وأذان من الله ورسوله ) * ( التوبة : 3 ) . من : أذن يؤذن تأذينا وأذانا ، مثل : كلم يكلم تكليما وكلاما ، فالأذان والكلام : اسم المصدر القياسي . وقال الهروي : والأذان والأذين والتأذين بمعنى . وقيل : الأذين : المؤذن ، فعيل بمعنى مفعل . وأصله من الأذن كأنه يلقي في آذان الناس بصوته ما يدعوهم إلى الصلاة . وفي الشريعة : الأذان إعلام مخصوص بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة ، ويقال : الإعلام بوقت الصلاة التي عينها الشارع بألفاظ مثناة . وقال القرطبي وغيره : الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة ، لأنه بدأ بالأكبرية ، وهي تتضمن وجود الله تعالى وكماله ، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشريك ، ثم بإثبات الرسالة ، ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقيب الشهادة بالرسالة لأنها لا تعرف إلاَّ من جهة الرسول ، ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم ، وفيه الإشارة إلى المعاد ، ثم أعاد ما أعاد توكيدا . ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت ، والدعاء إلى الجماعة ، وإظهار شعائر الإسلام ، والحكمة في اختيار القول له دون الفعل وسهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان ، والله أعلم . 1 ( ( بابُ بِدْءَ الأَذَانِ ) ) أي : هذا باب في بيان ابتداء الأذان ، وليس في رواية أبي ذر لفظ : باب . وقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : وإذَا نادَيْتُمْ إلَى الصَّلاَةِ اتخذُوهَا هُزُوا ولَعِبا ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ قَوْمٌ لاَ يَعْقِلُونَ ) * ( المائدة : 58 ) . وقَولُهُ : * ( إذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ ) * ( الجمعة : 9 ) وقول الله مجرور لأنه عطف على لفظ : بدء ، وقوله الثاني عطف عليه ، وإنما ذكر هاتين الآيتين إما للتبرك أو لإرادة ما بوب له : وهو بدء الأذان . وإن ذلك كان بالمدينة ، والآيتان المذكورتان مدنيتان . وعن ابن عباس : إن فرض الأذان نزل مع الصلاة * ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ) * ( الجمعة : 9 ) . رواه أبو الشيخ ، أما الآية الأولي ففي سورة المائدة ، وإيراد البخاري هذه الآية ههنا إشارة إلى بدء الأذان بالآية المذكورة ، كما ذكرنا . وعن هذا قال الزمخشري في ( تفسيره ) : قيل : فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده . قوله : * ( وإذا ناديتم إلى الصلاة ) * ( المائدة : 58 ) . يعني : إذا أذن المؤذن للصلاة ، وإنما أضاف النداء إلى جميع المسلمين لأن المؤذن يؤذن لهم ويناديهم ، فأضاف إليهم ، فقال : * ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) * ( المائدة : 58 ) . يعني : الكفار إذا سمعوا الأذان استهزؤا بهم ، وإذا رأوهم ركوعا سجودا ضحكوا عليهم واستهزأو بذلك . قوله : * ( ذلك ) * ( المائدة : 58 ) . يعني : الاستهزاء * ( بأنهم قوم لا يعقلون ) * ( المائدة : 58 ) . يعني : لا يعلمون ثوابهم . وقال أسباط عن السدي ، قال : ( كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : حرق الكاذب ، فدخلت خادمته ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت البيت فاحترق هو وأهله ) . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم . وأما الآية الثانية ففي سورة الجمعة ، فقوله : * ( إذا نودي للصلاة ) * ( الجمعة : 9 ) . أراد بهذا النداء الأذان عند قعود الإمام على المنبر للخطبة ، ذكره النسفي في ( تفسيره ) واختلفوا في هذا ، فمنهم من قال : إن الأذان كان وحيا لا مناما . وقيل : إنه أخذ من أذان إبراهيم ، عليه الصلاة والسلام ، في الحج . * ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ) * ( الحج : 27 ) ، قال : فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقيل : نزل به جبريل ، عليه الصلاة والسلام ، على النبي صلى الله عليه وسلم ، والأكثرون على أنه كان برؤيا عبد الله بن زيد وغيره ، على ما يجيء إن شاء الله تعالى . واعلم أن النداء عدى في الآية الأولى بكلمة : إلى ، وفي الثانية : باللام ، لأن صلاة الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام ، والمقصود في الأولى : معنى الانتهاء ، وفي الثانية : معنى الاختصاص . ويحتمل أن يكون : إلى ، بمعنى : اللام ، وبالعكس ، لأن الحروف ينوب بعضها عن بعض . 603 حدَّثنا عِمْرَانُ بنُ مَيْسَرَةَ قال حدَّثنا عَبْدُ الوَارِثِ قال حدَّثنا خالِدٌ الحَذَاء عنْ أبي