العيني
81
عمدة القاري
أصحاب الشافعي حكاه الرافعي عنه ، وقال ابن حزم في ( المحلى ) : والعورة المفروض سترها عن الناظر وفي الصلاة من الرجال الذكر وحلقة الدبر فقط ، وليس الفخذ منه عورة ، وهي من المرأة جميع جسدها حاشا الوجه والكفين فقط ، الحر والعبد والحرة والأمة سواء في ذلك ، ولا فرق . ثم قال ، بعد أن روى حديث أنس الذي أخرجه البخاري : ( إن رسول ا عليه الصلاة والسلام ، غزا خيبر . . . ) وفيه : ( . . . ثم حسر الإزار عن فخذه حتى إني أنظر إلى بياض فخذ النبي عليه الصلاة والسلام ) . فصح أن الفخذ من الرجل ليس بعورة ، ولو كان عورة لما كشفها ا تعالى من رسوله المطهر المعصوم من الناس في حال النبوة والرسالة ، ولا أراها أنس بن مالك ولا غيره ، وهو تعالى عصمه من كشف العورة في حال الصبا ، وقبل النبوة . وأما الآخرون الذين هم خالفوهم وقالوا : الفخذ عورة ، فهم جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم ، منهم : أبو حنيفة ومالك في أصح أقواله والشافعي وأحمد في أصح روايتيه وأبو يوسف ومحمد وزفر بن الهذيل ، حتى قال أصحابنا : إن الصلاة مكشوف العورة فاسدة . وقال الأوزاعي : الفخذ عورة إلاَّ في الحمام ، وقال ابن بطال : أجمعوا على أن من صلى مكشوف العورة لا إعادة عليه . قلت : دعوى الإجماع غير صحيحة ، فيكون مراده إجماع أهل مذهبه . وفي ( التوضيح ) : حاصل ما في عورة الرجل عندنا خمسة أوجه . أصحها وهو المنصوص أنها : ما بين السرة والركبة ، وهما ليستا بعورة ، وهو صحيح مذهب أحمد بن حنبل ، وقال به زفر ومالك . وثانيها : أنهما عورة ، كما هو رواية عن أبي حنيفة . وثالثها : السرة من العورة . ورابعها : عكسه . وخامسها : للإصطخري : القبل والدبر ، وهو شاذ . انتهى . وفي ( الوبري ) : السرة من العورة عند أبي حنيفة . وفي ( المفيد ) : الركبة مركبة من عظم الفخذ والساق ، فاجتمع الحظر والإباحة فغلب الحظر احتياطاً . وأما الجواب عن حديث أنس فهو أنه محمول على غير اختيار الرسول فيه بسبب ازدحام الناس ، يدل عليه مس ركبة أنس فخذه . وقال القرطبي : ويرجح حديث جرهد وهو أن تلك الأحاديث المعارضة له قضايا معينة في أوقات وأحوال مخصوصة ، يتطرق إليها الاحتمال ما لا يتطرق لحديث جرهد ، فإنه أعطى حكماً كلياً ، فكان أولى . وبيان ذلك أن تلك الوقائع تحتمل خصوصية النبي بذلك ، أو البقاء على البراءة الأصلية ، أو كأن لم يحكم عليه في ذلك الوقت بشيء ، ثم بعد ذلك حكم عليه بأنه عورة . فإن قلت : روى الطحاوي ، وقال ؛ حدّثنا ابن مرزوق ، قال : حدّثنا أبو عاصم عن ابن جريج ، قال : أخبرني أبو خالد عن عبد ا بن سعيد المديني ، قال : حدثتني حفصة بنت عمر قالت : ( كان رسول الله ذات يوم قد وضع ثوبه بين فخذيه ، فجاء أبو بكر فاستأذن فأذن له النبي على هيئته ، ثم جاء عمر بمثل هذه الصفة ، ثم جاء أناس من أصحابه والنبي على هيئته ، ثم جاء عثمان فاستأذن عليه فأذن له ثم أخذ رسول الله ثوبه فجلله ، فتحدثوا ثم خرجوا . فقلت : يا رسول ا جاء أبو بكر وعمر وعلي وأناس من أصحابك وأنت على هيئتك ، فلما جاء عثمان جللت بثوبك ؟ فقال : ( أو لا أستحي ممن تستحي منه الملائكة ؟ ) قالت : وسمعت أبي وغيره يحدثون نحواً من هذا . وأخرجه أحمد والطبراني أيضاً . قلت : أجاب الطحاوي عنه : بأن هذا الحديث عن قاسم بن زكريا على هذا الوجه غريب ، لأن جماعة من أهل البيت رووه على غير هذا الوجه المذكور ، وليس فيه . ذكر : كشف الفخذين ، فحينئذٍ لا تثبت به الحجة . وقال أبو عمر : الحديث الذي رووه عن حفصة فيه اضطراب . وقال البيهقي : قال الشافعي : والذي روي في قصة عثمان من كشف الفخذين مشكوك فيه . وقال الطبري في كتاب ( تهذيب الآثار والأخبار ) : التي رويت عن النبي أنه دخل عليه أبو بكر وعمر وهو كاشف فخذه واهية الأسانيد لا يثبت بمثلها حجة في الدين ، والأخبار الواردة بالأمر بتغطية الفخذ والنهي عن كشفها أخبار صحاح . وقول الطحاوي : لأن جماعة من أهل البيت رووه على غير هذا الوجه ، حديث عائشة وعثمان أخرجه مسلم : حدّثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد ، قال : حدّثنا بي عن جدي ، قال : حدّثنا عقيل بن خالد عن ابن شهاب : ( عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره إن عائشة ، زوج النبي ، وعثمان رضي ا تعالى عنه ، حدثاه : أن أبا بكر استأذن على رسول الله وهو مضطجع على فراشه ، لابس مرط عائشة ، فأذن لأبي بكر وهو كذلك ، فقضى إليه حاجته ثم انصرف ، ثم استأذن عمر رضي ا تعالى عنه ، فأذن له وهو على تلك الحالة ، فقضى إليه حاجته ثم انصرف . قال عثمان : ثم استأذنت عليه فجلس وقال لعائشة : إجمعي عليك ثيابك ، فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت ، فقالت عائشة يا رسول ا ما لي لم أرك ، فزعت لأبي بكر وعمر كما فزعت لعثمان ؟ قال رسول ا : ( إن عثمان رجل حيي ، وإني خشيت : إن أذنت له على تلك الحالة أن لا