العيني
80
عمدة القاري
عن ابن أبي عمر قال : حدّثنا سفيان عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد ا عن زرعة بن مسلم بن جرهد الأسلمي عن جده جرهد قال : ( مر النبي ، بجرهد في المسجد وقد انكشف فخذه ، وقال : إن الفخذ عورة ) ، هذا حديث حسن ما أرى إسناده بمتصل . وقال : حدّثنا الحسن بن علي ، قال : حدثني عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر عن أبي الزناد ، قال : أخبرني ابن جرهد عن أبيه : ( أن النبي ، مر به وهو كاشف عن فخذه ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : غط فخذك فإنها من العورة ) . هذا حديث حسن صحيح . وأخرجه عن واصل من حديث ابن عباس أيضاً ، وقد ذكرناه ورواه الشافعي عن سفيان عن أبي الزناد عن آل جرهد ، ولما ذكره ابن القطان أعله بالاضطراب وبجهالة حال الراوي عن جرهد ، ولما ذكره البخاري في ( تاريخه ) من حديث ابن أبي الزناد عن زرعة عن عبد الرحمن عن جده قال : ورواه صدقة عن ابن عيينة عن أبي الزناد عن آل جرهد ، وعن سالم أبي النضر عن زرعة بن مسلم بن جرهد عن جرهد ، قال البخاري ؛ ولا يصح . وقال ابن الحذاء : إنما لم يخرجه البخاري في مصنفه لهذا الاختلاف ، و : جرهد ، بفتح الجيم وسكون الراء وفتح الهاء ، وفي آخره دال مهملة . وفي ( التهذيب ) : جرهد الأسلمي هو ابن رزاح بن عدي ، وقيل : غير ذلك ، له صحبة ، عداده في أهل المدينة ، له عن النبي ، حديث واحد : ( الفخذ عورة ) وفي إسناد حديثه اختلاف كثير ، يقال : إنه مات سنة إحدى وستين . وقال أبو عمر : جعل ابن أبي حاتم : جرهد بن خويلد غير جرهد بن رزاح ، ثم قال : هذا وهم ، وهو رجل واحد من أسلم لا يكاد يسلم ، له صحبة . وأما حديث محمد بن جحش فرواه الطبراني عن يحيى بن أيوب عن سعيد بن أبي مريم عن محمد بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي كثير ، مولى محمد بن جحش ، عنه قال : ( كنت أصلي مع النبي ، فمر على معمر وهو جالس عند داره بالسوق وفخذاه مكشوفتان فقال : يا معمر غط فخذيك فإن الفخذين عورة ) . وقال ابن حزم : رواية أبي كثير مجهولة ، وذكره البخاري في ( تاريخه ) وأشار إلى الاختلاف فيه ، ورواه أحمد في ( مسنده ) والحاكم في ( مستدركه ) من طريق إسماعيل بن جعفر عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبي كثير مولى محمد بن جحش عنه ، ومحمد بن جحش هو محمد بن عبد ا بن جحش ، نسب إلى جده ، له ولأبيه عبد ا صحبة ، وزينب بنت جحش أم المؤمنين هي عمته ، وكان محمد صغيراً في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ، وقد حفظ عنه . وقال الواقدي : كان مولده قبل الهجرة لخمس سنين ، هاجر مع أبيه إلى المدينة ، له صحبة . وا أعلم . وأما معمر المذكور في الحديث المذكور فهو ابن عبد ا بن فضلة العدوي ، وقد أخرج ابن نافع هذا الحديث من طريقه أيضاً . وقالَ أنَسٌ حَسَرَ النَّبيُّ عنْ فَخِذِهِ . 13 هذا أيضاً تعليق ، ولكنه قد وصله في هذا الباب كما يأتي قريباً ، وحسر ، بفتح حروفها المهملات ، ومعناه : كشف ، وسنتكلم فيه مستقصًى عن قريب . وَحَدِيثُ أنَسٍ أسْنَدُ ، وَحَدِيثُ جَرْهَدٍ أحْوَطُ ، حَتَّى نَخْرُجَ مِن اخْتِلاَفِهِمْ . لما وقع الخلاف في الفخذ : هل ، هو عورة أم لا ؟ فذهب قوم إلى أنه ليس بعورة ، واحتجوا بحديث أنس ، وذهب آخرون إلى أنه عورة ، واحتجوا بحديث جرهد ، وبما روي مثله في هذا الباب ، كأن قائلاً قال ؛ إن الأصل أنه إذا روي حديثان في حكم أحدهما أصح من الآخر فالعمل يكون بالأصح ، فههنا حديث أنس أصح من حديث جرهد ونحوه ، فكيف وقع الاختلاف ؟ فأجاب البخاري عن هذا بقوله : ( وحديث أنس أسند ) إلى آخره تقديره : أن يقال : نعم ، حديث أنس أسند ، يعني أقوى وأحسن سنداً من حديث جرهد ، إلاَّ أن العمل بحديث جرهد لأنه الأحوط ، يعني أكثر احتياطاً في أمر الدين ، وأقرب إلى التقوى ، للخروج عن الاختلاف ، وهو معنى قوله : ( حتى نخرج من اختلافهم ) أي : من اختلاف العلماء ، وهو على صيغة جماعة المتكلم من المضارع ، بفتح النون وضم الراء . ولأجل هذه النكتة لم يقل البخاري : باب الفخذ عورة ، ولا قال أيضاً : باب الفخذ ليس بعورة ، بل قال : باب ما يذكر في الفخذ ، أما القوم الذين ذهبوا إلى أن الفخذ ليس بعورة فهم : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب وإسماعيل بن علية ومحمد بن جرير الطبري وداود الظاهري وأحمد ، في رواية ، ويروى ذلك أيضاً عن الإصطخري من