العيني

49

عمدة القاري

وإدريس وإبراهيم وموسى وعيسى في حديث هذا الباب ، وفي غيره ذكر أيضاً : يحيى ويوسف وهارون ، وهم ثمانية ؟ وأجيب . أما آدم فإنه خرج من الجنة بعداوة إبليس عليه اللعنة ، له وتحيله ، فكذلك نبينا خرج من مكة بأذى قومه له ولمن أسلم معه ، وأيضاً ، فإن ا تعالى أراد أن يعرض على نبيه نسم بنيه من أهل اليمين وأهل الشمال ، ليعلم بذلك أهل الجنة وأهل النار . وأيضاً فإن آدم أبو البشر وأول الأنبياء المرسلين ، وكنيته أبو البشر أيضاً . وقيل : أبو محمد ، وروى ابن عساكر من حديث علي رضي ا تعالى عنه مرفوعاً : ( أهل الجنة ليس لهم كنى إلاَّ آدم فإنه يكنى : أبا محمد ) . ومن حديث كعب الأحبار : ( ليس لأحد من أهل الجنة لحية إلاَّ آدم ، فإن له لحية سوداء إلى سرته ) . وذلك لأنه لم يكن له لحية في الدنيا ، وإنما كانت اللحى بعد آدم ، ثم قيل : إن اسم آدم سرياني ، وقيل : مشتق ، فقيل : أفعل من الأدمة . وقيل : من لفظ الأديم ، لأنه خلق من أديم الأرض . وقال النضر بن شميل : سمي آدم لبياضه . وذكر محمد بن علي : أن الآدم من الظباء الطويل القوائم . وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً : ( إن ا خلق آدم على صورته ، طوله ستون ذراعاً ، فكل من يدخل الجنة على صورته وطوله ، وولد له أربعون ولداً في عشرين بطناً ، وعمر ألف سنة ، ولما أهبطه من الجنة هبط ( بسر نديب ) من الهند على جبل يقال له ؛ ( نوذ ) ولما حضرته الوفاة اشتهى قطف عنب ، فانطلق بنوه ليطلبوه فلقيتهم الملائكة فقالوا : أين تريدون ؟ قالوا : إن أبانا اشتهى قطفاً . قالوا : ارجعوا فقد كفيتموه ، فرجعوا فوجدوه قد قبض ، فغسلوه وحنطوه وكفنوه وصلى عليه جبريل عليه الصلاة والسلام ، والملائكة خلفه وبنوه خلفهم ، ودفنوه . وقالوا : هذه سنتكم في موتاكم ) . ودفن في غار يقال له : غار الكنز ، في أبي قبيس ، فاستخرجه نوح عليه الصلاة والسلام ، في الطوفان وأخذه وجعله في تابوت معه في السفينة ، فلما نضب الماء رده نوح عليه الصلاة والسلام إلى مكانه . وأما إدريس ، عليه الصلاة والسلام ، فإنه كان أول من كتب بالقلم وانتشر منه بعده في أهل الدنيا ، فكذلك نبينا ، كتب إلى الآفاق ، وسمي بذاك لدرسه الصحف الثلاثين التي أنزلت عليه ، فقيل : إنه خنوخ ، ويقال : أخنوخ ، ويقال : اخنخ ، ويقال : اهنخ بن برد بن مهليل بن قينن بن يانش بن شيث بن آدم . وقال الحراني : اسم أمه : برة ، وخنوخ سرياني ، وتفسيره بالعربي : إدريس ، قال وهب : هو جد نوح ، وقد قيل : إنه إلياس ، وإنه ليس بجد نوح ولا هو في عمود هذا النسب ، ونقله السهيلي عن ابن العربي ، واستشهد بحديث الإسراء حيث قال فيه : ( مرحباً بالأخ الصالح ) ، ولو كان في عمود هذا النسب لقال له ، كما قال إبراهيم : ( والابن الصالح ) ، وذكر بعضهم أن إدريس كان نبيا في بني إسرائيل ، فإن كان كذلك فلا اعتراض . وقال النووي : يحتمل أنه قال تلطفاً وتأدباً ، وهو أخ ، وإن كان ابنا والأبناء أخوة ، والمؤمنون أخوة . وقال ابن المنير : أكثر الطرق على أنه خاطبه بالأخ . قال : وقال لي ابن أبي الفضل : صحت لي طريق أنه خاطبه فيها بالإبن الصالح . وقال المازري : ذكر المؤرخون أن إدريس جد نوح ، فإن قام دليل على أن إدريس أرسل ، لم يصح قول النسابين : إنه جد نوح ، لإخبار نبينا عليه الصلاة والسلام ، في الحديث الصحيح : ( ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه ا إلى أهل الأرض ) ، وإن لم يقم دليل جازم ، قال : وصح أن إدريس كان نبياً ولم يرسل ، قال السهيلي : وحديث أبي ذر الطويل يدل على أن آدم وإدريس رسولان . قلت : حديث أبي ذر أخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) : رفع إلى السماء الرابعة ، ورآه فيها ، ورفع وهو ابن ثلاث مائة وخمس وستين سنة . وأما إبراهيم ، فإن نبينا ، رآه مسنداً ظهره إلى البيت المعمور ، فكذلك حال نبينا ، كان في حجه البيت واختتام عمره بذلك ، كان نظير لقائه إبراهيم في آخر السماوات ، ومعنى إبراهيم : أب رحيم ، وكنيته أبو الضيفان . قيل : إنه ولد بغوطة دمشق ببرزة في جبل قاسيون ، والصحيح أنه ولد بكوثا من إقليم بابل من العراق ، وكان بينه وبين نوح عدة قرون ، وقيل : ولد على رأس ألف سنة من خلق آدم عليه الصلاة والسلام ، وذكر الطبري : أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، إنما نطق بالعبرانية حين عبر النهر فاراً من نمرود ، عليه اللعنة . وقال نمرود للذين أرسلهم وراءه في طلبه : إذا وجدتم فتى يتكلم بالسريانية فردوه ، فلما أدركوه استنطقوه ، فحول ا لسانه عبرانياً ، وذلك حين عبر النهر ، فسميت العبرانية بذلك . قلت : المراد من هذا النهر هو الفرات ، وبلغ إبراهيم مائتي سنة . وقيل : تنتقص خمسة وعشرين . ودفن بالبلدة المعروفة بالخليل . وأما موسى ، عليه الصلاة والسلام ، فإن أمره آل إلى قهر الجبابرة وإخراجهم من أرضهم ،