العيني
50
عمدة القاري
فكذلك نبينا حاله مثل ذلك ، حيث فتح مكة وقهر المتجبرين المستهزئين من قريش . وموسى : هو عمران بن قاهث بن يصهر بن لاوي بن يعقوب عليه الصلاة والسلام . وأما عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، فإن اليهود راموا قتله ، فرفعه ا إليه ، فكذلك نبينا ، فإن اليهود أرادوا قتله حين سموا له الشاة ، فنجاه ا تعالى من ذلك . واسم عيسى عبراني ، وقيل سرياني . وأما يحيى ، عليه الصلاة والسلام ، فإن نبينا رآه مع عيسى في السماء ، وإنه رأى من اليهود ما لا يوصف حتى ذبحوه ، فكذلك نبينا رأى من قريش ما لا يوصف ، ولكن ا تعالى نجاه منهم . وأما يوسف ، عليه الصلاة والسلام ، فإنه عفا عن إخوته حيث قال : * ( لا تثريب عليكم ) * ( يوسف : 29 ) الآية ، فكذلك نبينا عفا عن قريش يوم فتح مكة . وأما هارون ، عليه الصلاة والسلام ، فإنه كان محبباً إلى بني إسرائيل ، حتى إن قومه كانوا يؤثرونه على موسى ، عليه الصلاة والسلام ، فكذلك كان نبينا ثم صار محبباً عند سائر الخلق . ومنها ما قيل : إن قوله في الحديث : لم يثبت كيف منازلهم ، يخالفه كلمة ؛ ثم التي للترتيب ؟ وأجيب : بأنه إما أن أنساً لم يرو هذا عن أبي ذر ، وإما أن يقال : لا يلزم منه تعيين منازلهم لبقاء الإبهام فيه ، لأن بين آدم وإبراهيم ثلاثة من الأنبياء وأربعة من السماوات أو خمسة ، إذ جاء في بعض الروايات : وإبراهيم في السماء السابعة . ومنها ما قيل : قوله تعالى : * ( ما يبدل القول لدي ) * ( ق : 92 ) لم لا يجوز أن يكون معناه : لا ينقص عن الخمس ولا يبدل الخمس إلى أقل من ذلك ؟ وأجيب : بأنه لا يناسب لفظ : ( استحييت من ربي ) ، فإن قيل : ألم يبدل القول لديه حيث جعل الخمسين خمساً ؟ أجيب : بأن معناه لا يبدل الإخبارات ، مثل أن ثواب الخمس خمسون لا التكليفات ، أو لا يبدل القضاء المبرم لا القضاء المعلق الذي يمحو ا ما يشاء منه ويثبت منه ، أو معناه : لا يبدل القول بعد ذلك . ومنها ما قيل : إن الإسراء كان ليلاً بالنص ، فما الحكمة في كونه ليلاً ؟ وأجيب : بأوجه : الأول : أنه وقت الخلوة والاختصاص ومجالسة الملوك ، وهو أشرف من مجالستهم نهاراً ، وهو وقت مناجاة الأحبة . الثاني : أن ا تعالى أكرم جماعة من أنبيائه بأنواع الكرامات ليلاً ، قال تعالى في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام * ( فلما جن عليه الليل رأى كوكباً ) * ( الأنعام : 67 ) وفي قصة لوط ، عليه الصلاة والسلام ، * ( فأسر بأهلك بقطع من الليل ) * ( هود : 18 ، والحجر : 56 ) وفي قصة يعقوب ، عليه الصلاة والسلام : * ( سوف استغفر لكم ربي ) * ( يوسف : 89 ) وكان آخر دعائه وقت السحر من ليلة الجمعة ، وقرب موسى نجياً ليلاً ، وذلك تعالى : * ( إذ قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً ) * ( طه : 01 ، والقصص : 92 ) وقال : * ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ) * ( الأعراف : 241 ) . وقال له لما أمره بخروجه من مصر ببني إسرائيل : * ( فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون ) * ( الدخان : 32 ) . وأكرم نبينا أيضاً ليلاً بأمور منها : انشقاق القمر ، وإيمان الجن به ، ورأى الصحابة آثار نيرانهم كما ثبت في ( صحيح مسلم ) وخرج إلى الغار ليلاً . الثالث : أن ا تعالى قدم ذكر الليل على النهار في غير ما آية فقال : * ( وجعلنا الليل والنهار آيتين ) * ( الإسراء : 21 ) وقال : * ( ولا الليل سابق النهار ) * ( يس : 04 ) وليلة النحر تغني عن الوقوف نهاراً . الرابع : أن الليل أصل ، ولهذا كان أول الشهور ، وسواده يجمع ضوء البصر ويحد كليل النظر ويستلذ فيه بالسمر ويجتلى فيه وجه القمر . الخامس : أنه لا ليل إلاَّ ومعه نهار ، وقد يكون نهار بلا ليل ، وهو : يوم القيامة الذي مقداره خمسين ألف سنة . السادس : أن الليل محل استجابة الدعاء والغفران والعطاء . فإن قلت : ورد في الحديث : ( خير يوم طلعت عليه الشمس يوم عرفة ، أو يوم الجمعة ) قلت : قالوا ذلك بالنسبة إلى الأيام . قلت : ليلة القدر خير من ألف شهر ، وقد دخل في هذه الليلة أربعة آلاف جمعة بالحساب الجملي ، فتأمل هذا الفضل الخفي . السابع : أن أكثر أسفاره كان ليلاً ، وقال : ( عليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل ) . والثامن : لينفي عنه ما ادعته النصارى في عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، من البنوة لما رفع نهاراً تعالى ا عن ذلك . التاسع : لأن الليل وقت الاجتهاد للعبادة ، وكان قام حتى تورمت قدماه . وكان قيام الليل في حقه واجباً وقال في حقه : * ( يا أيها المزمل قم الليل إلاّ قليلاً ) * ( المزمل : 1 2 ) فلما كانت عبادته ليلاً أكثر أكرم بالإسراء فيه ، وأمره بقوله : * ( ومن الليل فتهجد به ) * ( الإسراء : 97 ) . العاشر : ليكون أجر المصدق به أكثر ، ليدخل فيمن آمن بالغيب دون من عاينه نهاراً . ومنها ما قيل : إنه ذكر في هذا الحديث أن صدره غسل بماء زمزم ، وقلبه بالثلج ؟ وأجيب : بأنه غسل بالثلج أولاً ليثلج اليقين إلى قلبه ، وهذه لدخول الحضرة القدسية ، وقيل : فعل به ذلك في حال صغره ليصير قلبه مثل قلوب الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، في الانشراح . والثانية : ليصير حاله مثل حال الملائكة . ومنها ما قيل : ما كانت الحكمة في الإسراء ؟ أجيب : بأنه إنما كان للمناجاة ، ولهذا كان من غير مواعدة ، وهذا أوقع وأعظم ، وكان التكليم