العيني

204

عمدة القاري

أذاه كما يرفع الدفن أذى النخامة فيه عوقب بحرمان الاستغفار من الملائكة لما آذاهم به من الرائحة الخبيثة . وقال ابن بطال : من أراد أن تحط عنه ذنوبه من غير تعب فليغتنم ملازمة مصلاه بعد الصلاة ليستكثر من دعاء الملائكة واستغفارهم له ، فهو مرجو إجابته لقوله تعالى : * ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) * ( الأنبياء : 82 ) . وفيه : بيان فضيلة من انتظر الصلاة مطلقاً سواء ثبت في مجلسه ذلك من المسجد أو تحول إلى غيره . وفيه : أن الحدث في المسجد يبطل ذلك ، ولو استمر جالساً . وفيه : أن الحدث في المسجد أشد من النخامة . وقال المازري : أشار البخاري إلى الرد على من منع المحدث أن يدخل المسجد أو يجلس فيه . قلت : قد اختلف السلف في جلوس المحدث في المسجد ، فروي عن أبي الدرداء أنه خرج من المسجد فبال ثم دخل ، فتحدث مع أصحابه ولم يمس ماء . وعن علي رضي ا تعالى عنه ، مثله ، وروي ذلك عن عطاء والنخعي وابن جبير ، وكره ابن المسيب والحسن البصري أن يتعمد الجلوس في المجلس على غير وضوء . 26 ( ( بابُ بُنْيَانِ المَسْجِدِ ) ) أي : هذا باب في بيان صفة بنيان المسجد النبوي ، والبنيان : البناء ، يقال : بنى يبني بنياً وبنية وبناء . قال الجوهري : البنيان الحائط ، يقال : بنى فلان بيتاً من البنيان ، وبنى على أهله بناءً أي : زفها ، والعامة تقول : بنى بأهله وهو خطأ . وقال أبُو سَعِيدٍ كانَ سَقْفُ المَسْجِدِ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ . 13 50 مطابقة هذا التعليق للترجمة ظاهرة ، وقد رواه مسنداً في باب هل يصلي الإمام بمن حضر : حدّثنا مسلم ، قال : حدّثنا هشام عن يحيى عن أبي سلمة ، قال : ( سألت أبا سعيد الخدري فقال : جاءت سحابة فمطرت حتى سال السقف وكان من جريد النخل ، فأقيمت الصلاة فرأيت رسول الله يسجد في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته ) . قوله : ( كان سقف المسجد ) أي : سقف مسجد رسول ا ، فالألف واللام فيه للعهد . وقول الكرماني : وأما لجنس المساجد فبعيد . قوله : ( من جريد النخل ) الجريد : هو الذي يجرد عنه الخوص وإن لم يجرد يسمى سعفاً . وَأَمَرَ عُمَرُ بِبِناءِ المَسْجِدِ وقالَ أكِنَّ النَّاسَ مِنَ المَطَرِ وَإِيَّاكَ أنْ تُحَمِّرَ أوْ تُصَفِّرَ فَتَفْتِنَ النَّاسَ . 50 مطابقته للترجمة ظاهرة جداً ، والمراد من المسجد : مسجد رسول ا ، ويأتي في هذا الباب أنه روي من حديث نافع أن عبد ا أخبره أن المسجد كان على عهد رسول الله مبيناً باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل ، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً ، وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه في عهد رسول الله باللبن والجريد ، وأعاد عمده خشباً . ورواه أبو داود أيضاً . قوله : ( باللبن ) ، بفتح اللام وكسر الباء الموحدة ، ويقال : اللبنة ، بكسر اللام وسكون الباء الموحدة : وهي الطوب النيء . قوله : ( وعمده ) ، بضم العين والميم وبفتحهما ، جمع الكثرة لعمود البيت ، وجمع القلة : أعمدة . قوله : ( أكن ) فيه أوجه . الأول : أكن ، بفتح الهمزة وكسر الكاف وفتح النون ، على صورة الأمر من الإكنان ، وهي رواية الأصيلي ، وهي الأظهر ، ويدل عليه قوله قبله : ( أمر عمر ) وقوله بعده : ( وإياك ) وذلك لأنه أولاً أمر بالبناء وخاطب أحداً بذلك ثم حذره من التحمير والتصفير بقوله : ( وإياك أن تحمر أو تصفر ) ، والإكنان من أكننت الشيء أي : صنته وسترته . وحكى أبو زيد والكسائي : كننته ، من الثلاثي بمعنى : أكننته . وقال ثعلب في ( الفصيح ) : أكننت الشيء أي : أخفيته ، وكننته إذا سترته بشيء . ويقال : أكننت الشيء سترته وصنته من الشمس ، وأكننته في نفسي أسررته . وفي ( كتاب فعل وافعل ) لأبي عبيدة معمر بن المثنى : قالت تميم : كننت الجارية أكنها كناً ، بكسرا لكاف ، وأكننت العلم والسر . وقالت قيس : كننت العلم والسر بغير ألف ، وأكننت الجارية بالألف . وقال ابن الأعرابي ، في ( نوادره ) : أكنننت السر ، وكننت وجهي من الحر ، وكننت سيفي ، قال : وقد يكون هذا بالألف أيضاً . الوجه الثاني : أكن الناس ، بضم الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون المضمومة : بلفظ المتكلم من الفعل المضارع ، وقال ابن التين : هكذا رويناه ، وفي هذا الوجه التفات وهو أن عمر أخبر عن نفسه ثم التفت إلى الصانع فقال : وإياك ، ويجوز أن يكون تجريداً ، فكأن عمر بعد أن أخبر عن نفسه جرد عنها شخصاً ثم خاطبه بذلك . الوجه