العيني

205

عمدة القاري

الثالث : قال عياض : كن الناس ، بحذف الهمزة وكسر الكاف وتشديد النون : من كن يكن ، وهو صيغة أمر ، وأصله أكن بالهمزة حذفت تخفيفاً على غير قياس . الوجه الرابع : كن ، بضم الكاف ، من : كن فهو مكنون ، وهذا له وجه ، ولكن الرواية لا تساعده . قوله : ( وإياك ) ، كلمة تحذير أي : احذر من أن تحمر . وكلمة : أن ، مصدرية ، ومفعول : تحمر ، محذوف تقديره : إياك تحمير المسجد أو تصفيره ، ومراده الزخرفة . وقد روى ابن ماجة من طريق عمرو بن ميمون عن عمر رضي ا تعالى عنه ، مرفوعاً : ( ما ساء عمل قوم قط إلاَّ زخرفوا مساجدهم ) . قوله : ( فتفتن الناس ) ، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون الفاء : من فتن يفتن ، من باب ضرب يضرب ، فتناً وفتوناً إذا امتحنته ، وضبطه ابن التين بضم تاء الخطاب من أفتن ، والأصمعي أنكر هذا ، وأبو عبيد أجازه ، وقال : فتن وافتن بمعنى ، وهو قليل ، والفتنة اسم وهو في الأصل الامتحان والاختبار ، ثم كثر استعمالها بمعنى الإثم والكفر والقتال والإحراق والإزالة والصرف عن الشيء . وقال الكرماني : ويفتن من الفتنة ، وفي بعضها من التفتين . قلت : إذا كان من التفتين يكون من باب التفعيل ، وماضيه : فتن ، بتشديد التاء ، وعلى ضبط ابن التين يكون من باب الإفعال وهو الإفتان بكسر الهمزة ، وعلى كل حال هو بفتح النون لأنه معطوف على المنصوب بكلمة . أن . وقال أنَسٌ يَتَبَاهَوْنَ بِهَا ثُمَّ لاَ يَعْمُرُونَها إِلاَّ قَلِيلاً . هذا التعليق مرفوع في ( صحيح ابن خزيمة ) : عن محمد بن عمرو بن العباس حدّثنا سعيد بن عامر عن أبي عامر الخراز قال : قال أبو قلابة : انطلقنا مع أنس نريد الزاوية ، نعني قصر أنس ، فمررنا بمسجد فحضرت صلاة الصبح فقال أنس : لو صلينا في هذا المسجد ، فقال بعض القوم : نأتي المسجد الآخر ، فقال أنس : إن رسول الله قال : ( يأتي على الناس زمان يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلاَّ قليلاً ، أو قال : يعمرونها قليلاً ) . ورواه أبو يعلى الموصلي أيضاً في ( مسنده ) ، وروى أبو داود في ( سننه ) : حدّثنا محمد بن عبد ا الخزاعي حدّثنا حماد بن سلمة عن أيوب عن أبي قلابة وقتادة عن أنس : ( إن النبي قال : لا تقوم الساعة حتى يتباهي الناس في المساجد ) . وأخرجه النسائي وابن ماجة أيضاً ، وروى أبو نعيم في ( كتاب المساجد ) من حديث محمد بن مصعب القرقساني : عن حماد ( يتباهى الناس ببناء المساجد ) ، ومن حديث علي بن حرب : عن سعيد بن عامر عن الخراز : ( يتباهون بكثرة المساجد ) . قوله : ( يتباهون ) ، بفتح الهاء من المباهاة وهي المفاخرة ، والمعنى أنهم يزخرفون المساجد ويزينونها ثم يقعودن فيها ويتمارون ويتباهون ولا يشتغلون بالذكر وقراءة القرآن والصلاة . قوله : ( بها ) ، أي : بالمساجد ، والسياق يدل عليه . قوله : ( إلاَّ قليلاً ) ، بالنصب ، ويجوز الرفع من جهة النحو ، فإنه بدل من ضمير الفاعل . وقال ابنُ عَبَّاسٍ لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصَارَى . هذا التعليق رواه أبو داود موصولاً عن ابن عباس هكذا موقوفاً ، وروي عنه مرفوعاً ، قال : حدّثنا محمد بن الصباح عن سفيان أخبرنا سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن أبي فزارة عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس ، قال : قال رسول ا : ( ما أمرت بتشييد المساجد ) . قال ابن عباس : لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى ، وأبو فزارة اسمه راشد ابن كيسان ، وإنما اقتصر البخاري على الموقوف منه ولم يذكر المرفوع منه للاختلاف على يزيد بن الأصم في وصله وإرساله ، ويزيد هذا روى له مسلم والأربعة . قوله : ( لتزخرفنها ) أي : لتزخرفن المساجد ، بضم الفاء ونون التأكيد ، والضيمر فيه للمذكرين . وأما اللام فيه فقد ذكر الطيبي فيه وجهين . الأول : أن تكون مكسورة ، وهي لام التعليل للنفي قبله ، والمعنى : ما أمرت بتشييد المساجد لأجل زخرفتها ، والتشييد من شيد يشيد : رفع البناء والإحكام ، ومنه قوله تعالى : * ( ولو كنتم في بروج مشيدة ) * ( النساء : 87 ) . الوجه الثاني : فتح اللام على أنها جواب القسم ، وقال بعضهم : هذا هو المعتمد ، والأول لم تثبت به الرواية أصلاً . قلت : الذي قاله الطيبي هو الذي يقتضيه الكلام ، ولا وجه لمنعه ، ودعوى عدم ثبوت الرواية يحتاج إلى برهان . ومعنى الزخرفة : التزيين ، يقال : زخرف الرجل كلامه إذا موهه وزينه بالباطل ، والزخرف : الذهب ، والمعنى ههنا : تمويه المساجد بالذهب ونحوه كما زخرفت اليهود كنائسهم والنصارى بيعهم . قال الخطابي : وإنما زخرفت اليهود والنصارى كنائسها وبيعها حين حرفت الكتب وبدلتها فضيعوا الدين وعرجوا على الزخاريف والتزيين . وقال محيي السنة : إنهم زخرفوا المساجد عندما بدلوا