العيني

189

عمدة القاري

ولا يقومون مع الناس . وقال مالك : وأنا أفعل ذلك ، وما قام رسول ا ، صلى ا تعالى عليه وسلم ، إلاَّ في بيته . وروي ذلك عن ابن عمر وسالم والقاسم وإبراهيم ونافع أنهم كانوا ينصرفون ولا يقومون مع الناس . وقال الترمذي : واختار الشافعي أن يصلي الرجل وحده إذا كان قارئاً ، ثم احتج الطحاوي بهؤلاء بما رواه زيد بن ثابت عن النبي ، صلى ا تعالى عليه وسلم ، قال : ( خير صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة ) ، ثم روى عن نافع عن ابن عمر أنه كان لا يصلي خلف الإمام في شهر رمضان ، وروي أيضاً إبراهيم النخعي ، وذهب إليه الطحاوي أيضاً حتى قال في آخر الباب : وذلك هو الصواب . 35 ( ( بابُ الصَّلاَةِ في مَوَاضِعِ الخَسْفِ وَالعَذَابِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم الصلاة في الأمكنة التي خسفت أو نزل عليها العذاب ، وأبهم حكمه حيث لم يبين : هل هي مكروهة أو غير جائزة ؟ ولكن تقديره : يكره لدلالة أثر علي ، على ذلك ، يقال : خسف المكان يخسف خسوفاً : ذهب في الأرض ، وخسف ا به الأرض خسفاً ، أي : غاب به فيها ، ومنه قوله تعالى : * ( فخسفنا به وبداره الأرض ) * ( القصص : 18 ) وخسف هو في الأرض ، وخسف به ، وخسوف العين ذهابها في الرأس ، وخسوف القمر كسوفه . قوله : ( والعذاب ) ، من باب عطف العام على الخاص . ويُذْكَرُ أنَّ عَلِيًّا رَضِي الله عنه كَرِه الصَّلاَةَ بِخَسْفِ بابِلَ مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة ، وهو يدل أيضاً على أن مراده من عقد هذا الباب هو الإشارة إلى أن الصلاة في مواضع الخسف مكروهة وهذا التعليق رواه ابن أبي شيبة عن وكيع ، حدّثنا سفيان حدّثنا عبد اللَّه بن شريك عن عبد اللَّه بن أبي المحل العامري ، قال : ( كنا مع علي ، رضي ا تعالى عنه ، فمررنا على الخسف الذي ببابل ، فلم يصلِّ حتى أجازه ) أي : تعداه ، و : المحل ، بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام ، وروى أبو داود في ( سننه ) : من حديث حجاج بن شداد عن أبي صالح الغفاري ( عن علي ، رضي ا تعالى عنه ، أنه مر ببابل وهو يسير ، فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر ، فلما بدر منها أمر المؤذن ، فأقام ، فلما فرغ من الصلاة قال : إن حبيبي ، صلى ا تعالى عليه وسلم ، نهاني أن أصلي في المقبرة ، ونهاني أن أصلي في أرض بابل ، فإنها ملعونة ) . قال ابن يونس أبو صالح الغفاري : سعيد بن عبد الرحمن روى عن علي ، وما أظنه سمع منه . وقال ابن القطان : في سنده رجال لا يعرفون . وقال عبد الحق : هو حديث واهٍ . وقال البيهقي في ( المعرفة ) : إسناده غير قوي . وقال الخطابي : في سنده مقالٌ ولا أعلم أحداً من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل ، وقد عارضه ما هو أصح منه ، وهو قوله : ( جعلت لي الأرض مسجداً ) ويشبه ، إن ثبت الحديث ، أن يكون نهاه أن يتخذها وطناً ومقاماً ، فإذا أقام بها كانت صلاته بها ، وهذا من باب التعليق في علم البيان قلت : أراد بها الملازمة الشرعية ، لأن من لازم إقامة شخص بمكان أن تكون صلاته فيه ، فيكون من باب إطلاق الملزوم وإرادة اللازم ، وإنما قيدنا الملازمة بالشرعية لانتفاء الملازمة العقلية . وقال الخطابي أيضاً : لعل النهي لعلي خاصة ، ألا ترى أنه قال : نهاني ، ولعل ذلك إنذار منه ما لقي من المحنة بالكوفة ، وهي من أرض بابل . قال أبو عبيد البكري : بابل بالعراق مدينة السحر معروفة . وقال الجوهري : بابل ، اسم موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر ، وقال الأخفش : لا ينصرف لتأنيثه ، وذلك أن اسم كل شيء مؤنث إذا كان أكثر من ثلاثة أحرف فإنه لا ينصرف في المعرفة ، وقال أصحاب الأخبار : بنى نمرود المجدل ، أي : القصر بها ، وطوله في السماء خمسة آلاف ذراع ، وهو البنيان الذي ذكره ا تعالى في كتابه العزيز ، بقوله تعالى : * ( فأتى ا بنيانهم من القواعد ) * ( النحل : 62 ) وبات الناس ولسانهم سرياني فأصبحوا وقد تفرقت لغاتهم على اثنين وسبعين لساناً ، كل يتبلبل بلسانه ، فسمى الموضع بابلاً . وقال الهمداني : وربما سموا العراق بابلاً ، قال عمر بن أبي ربيعة ، وأتى البصرة فضافه ابن الهلال المعروف بصديق الجن : * يا أهل بابل ما نفست عليكم * من عيشكم إلاَّ ثلاث خلال * : * ماء الفرات ، وظل عيش بادر * وغنى مسمعتين لابن هلال * وذكر الطبراني في تفسيره : بابل ، اسم قرية أو موضع من مواضع الأرض ، وقد اختلف أهل التأويل فيها ، فقال بعضهم ، وهو السدي : هي بابل دنباوند ، وقال بعضهم : بل ذلك بالعراق ، ورد ذلك في حديث مروي عن عائشة ، رضي ا تعالى عنها