العيني
188
عمدة القاري
خالية عن الصلاة كالمقابر ، فإنها ليست بمحل للعبادة ، ولهذا احتجت به طائفة على كراهة الصلاة في المقابر . ذكر ما يستنبط منه : قال الخطابي : فيه : دليل على أن الصلاة لا تجوز في المقابر . قلت : الحديث لا يدل على هذا ، بل ترجمة الباب تساعده على ذلك ، وقد حققنا الكلام فيه . وقد وردت أحاديث عن جماعة من الصحابة تدل على كراهة الصلاة في المقابر ، بل استدلت بها جماعة على عدم الجواز كما ذكرنا فيما مضى ، وهي ما روي عن أبي سعيد الخدري وعلي وعبد اللَّه بن عمرو وأبي هريرة وجابر وابن عباس وحذيفة وأنس وأبي أمامة وأبي ذر ، وقال الترمذي : حدّثنا ابن أبي عمر أبو عمار الحسين بن حريث ، قال : أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن يحيى عن أبيه سعيد الخدري قال : قال رسول ا : ( الأرض كلها مسجداً إلاَّ المقبرة والحمام ) . ثم قال : وفي الباب عن علي ، وذكر من ذكرناهم إلى آخره ، وللعلماء قولان في معنى حديث الباب : أحدهما : أنه ورد في صلاة النافلة لأنه قد سن الصلوات في جماعة كما هو مقرر في الشرع . والثاني : أنه ورد في صلاة الفريضة ليقتدي به من لا يستطيع الخروج إلى المسجد ، وقد ذكرناه مفصلاً عن قريب ، من صلى في بيته جماعة فقد أصاب سنة الجماعة وفضلها . وقال إبراهيم : إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة ، ولهما التضعيف خمساً وعشرين درجة ، وروي أن إسحاق وأحمد وعلي بن المدني اجتمعوا في دار أحمد فسمعوا النداء ، فقال أحدهم أخرج بنا إلى المسجد ، فقال أحمد : خروجنا إنما هو للجماعة ونحن جماعة ، فأقاموا الصلاة وصلوا في البيت : وقد روي عن جماعة أنهم كانوا لا يتطوعون في المسجد ، منهم حذيفة والسائب بن يزيد والربيع بن خثيم وسويد بن غلفة ، ومن هذا أخذ علماءونا أن الأفضل في غير الفرائض المنزل ، وروى ابن أبي شيبة بسند جيد عن زيد بن خالد الجهني يرفعه : ( صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً ) ، وروي أيضاً من حديث جعفر بن إبراهيم عن ولد ذي الجناحين حدثني علي بن عمر عن أبيه جعفر الطيار عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده يرفعه : ( لا تتخذوا قبري عيداً ولا بيوتكم قبوراً ) . وقال الطحاوي : حدّثنا أبو بكرة قال : حدّثنا أبو المطرف بن أبي الوزير قال : حدّثنا محمد بن موسى عن سعيد بن إسحاق عن أبيه عن جده : ( أن النبي صلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل ، فلما فرغ رأى الناس يسبحون ، فقال : يا أيها الناس إنما هذه الصلاة في البيوت ) . وأخرجه أبو داود وابن ماجة أيضاً ، وروى الطحاوي أيضاً عن بحر بن نصر بإسناده عن عبد اللَّه بن سعد ، قال : ( سألت النبي عن الصلاة في بيتي والصلاة في المسجد فقال : قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد ، فلأن أصلي في بيتي أحب إلي من أن أصلي في المسجد إلاَّ أن تكون صلاة مكتوبة ) . وأخرجه الطبراني أيضاً ، ثم قال الطحاوي : باب القيام في شهر رمضان هل هو في المنازل أفضل أم مع الإمام ؟ ثم روى حديث أبي ذر ، رضي ا تعالى عنه ، قال : ( صمت مع النبي ) . . . الحديث وفيه : ( إن القوم إذا صلوا مع الإمام حتى ينصرف كتب لهم قيام تلك الليلة ) . ثم قال : فذهب قوم إلى أن القيام في شهر رمضان مع الإمام أفضل منه في المنازل ، واحتجوا في ذلك بما ذكرنا ، وأراد بهؤلاء : الليث بن سعد وعبد اللَّه بن المبارك وإسحاق وأحمد فإنهم قالوا : القيام مع الإمام في شهر رمضان أفضل منه في المنازل . وقال أبو عمر : قال أحمد بن حنبل : القيام في المسجد مع الإمام أحب إلي وأفضل من صلاة المرأ في بيته . وقال به قوم من المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي ، فمن أصحاب أبي حنيفة : عيسى بن أبان وبكار بن قتيبة وأحمد بن أبي عمران . ومن أصحاب الشافعي : إسماعيل بن يحيى المزني ومحمد بن عبد اللَّه بن الحكم . وقال أحمد : كان جابر وعلي وعبد اللَّه يصلونها في جماعة . قلت : ويحكى ذلك عن عمر بن الخطاب ومحمد بن سيرين وطاوس ، وهو مذهب أصحابنا الحنفية . وقال صاحب ( الهداية ) يستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات ، ثم قال : والسنة فيها الجماعة على وجه الكفاية ، حتى لو امتنع أهل مسجد عن إقامتها كانوا مسيئين ، ولو أقامها البعض فالمتخلف عن الجماعة تارك للفضيلة ، لأن أفراد الصحابة يروى عنهم التخلف ، ثم قال الطحاوي : وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : بل صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام ، وأراد بهؤلاء القوم : مالكاً والشافعي وربيعة وإبراهيم والحسن البصري والأسود وعلقمة ، فإنهم قالوا : بل صلاته في بيته أفضل من صلاته مع الإمام . وقال أبو عمر : اختلفوا في الأفضل من القيام مع الناس أو الانفراد في شهر رمضان ، فقال مالك والشافعي : صلاة المنفرد في بيته أفضل ، وقال مالك : وكان ربيعة وغير واحد من علمائنا ينصرفون