العيني
187
عمدة القاري
قلت : دعواه بأن البخاري استنبط كذا ، وأنه أشار إلى حديث أبي سعيد الخدري أعجب وأغرب من الأول لأن معنى قوله ، صلى ا عليه وآله وسلم : ( لا تتخذوها قبوراً ) ، لا تتخذوها خالية من الصلاة وتلاوة القرآن كالقبور حيث لا يصلى فيها ولا يقرأ القرآن ، ويدل على هذا ما رواه الطبراني من حديث عبد الرحمن بن سابط عن أبيه ، يرفعه : ( نوروا بيوتكم بذكر ا تعالى وأكثروا فيها تلاوة القرآن ، ولا تتخذوها قبوراً كما اتخذها اليهود والنصارى ، فإن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يتسع على أهله ويكثر خيره واتحضره الملائكة ، وتدحض عنه الشياطين ، وإن البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يضيق على أهله ويقل خيره وتنفر منه الملائكة وتحضر فيه الشياطين ) . انتهى . وأيضاً ، فإن معنى هذا على التشبيه البليغ ، فحذفت منه أداة التشبيه لأن معناه لا تجعلوها مثل القبور حيث لا يصلى فيها ، ولا دلالة لهذا أصلاً على أنها ليست بمحل للعبادة بنوع من أنواع الدلالات اللفظية . ذكر رجاله : وهم خمسة : مسدد بن مسرهد ، ويحيى القطان ، وعبيد اللَّه بن عمر العمري ، ونافع مولى ابن عمر ، وعبد اللَّه بن عمر ، والكل ذكروا غيره مرة . وفيه من لطائف الإسناد : التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، والإخبار بصيغة الإفراد في موضع واحد ، وفيه : العنعنة في موضعين . وأخرجه : مسلم عن محمد بن المثنى . وأبو داود عن أحمد بن حنبل ومسدد فرقهما . وابن ماجة عن زيد بن أخزم وعبد الرحمن بن عمرو مختصراً . ذكر معناه : قوله : ( من صلاتكم ) ، قيل : أي بعض صلاتكم . قال الكرماني : هو مفعول الجعل ، وهو متعد إلى واحد ، كقوله تعالى : * ( وجعل الظلمات والنور ) * ( الأنعام : 1 ) وهو إذا كان بمعنى : التصيير ، يتعدى إلى مفعولين ، كقوله تعالى : * ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) * ( الأنعام : 561 ) قلت : معنى قوله : ( اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم ) : صلوا فيها ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة ، والمراد صلاة النافلة ، أي : صلوا النوافل في بيوتكم . وقال القاضي عياض : قيل هذا في الفريضة ، ومعناه : اجعلوا بعض فرائضكم في بيوتكم ليقتدي بكم من لا يخرج إلى المسجد من نسوة وعبيد ومريض ونحوهم . قال : وقال الجمهور : بل هو في النافلة لإخفائها ، وللحديث الآخر : ( أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلاَّ المكتوبة ) . قلت : فعلى التقدير الأول يكون : من ، في قوله : ( من صلاتكم ) ، زائدة ، ويكون التقدير : إجعلوا صلاتكم في بيوتكم ، ويكون المراد منها النوافل ، وعلى التقدير الثاني تكون : من ، للتبعيض مطلقاً . ويكون المراد : من الصلاة ، مطلق الصلاة ، ويكون المعنى : اجعلوا بعض صلاتكم وهو النفل من الصلاة المطلقة في بيوتكم ، والصلاة المطلقة تشمل النفل والفرض ، على أن الأصح منع مجيء من ، زائدة في الكلام المثبت ، ولا يجوز حمل الكلام على الفريضة لا كلها ولا بعضها ، لأن الحث على النفل في البيت ، وذلك لكونه أبعد من الرياء وأصون من المحبطات ، وليتبرك به البيت وتنزل الرحمة فيه والملائكة ، وتنفر الشياطين منه على ما دل عليه الحديث الذي أخرجه الطبراني الذي ذكرناه عن قريب قوله : ( ولا تتخذوها قبوراً ) من التشبيه البليغ البديع بحذف حرف التشبيه للمبالغة ، وهو تشبيه البيت الذي لا يصلى فيه بالقبر الذي لا يتمكن الميت من العبادة فيه . وقال الخطابي : يحتمل أن يكون معناه : لا تجعلوا بيوتكم أوطاتاً للنوم لا تصلون فيها ، فإن النوم أخو الموت . وقال : وأما من أوله على النهي عن دفن الموتى في البيوت فليس بشيء ، وقد دفن رسول الله في بيته الذي كان يسكنه أيام حياته . وقال الكرماني : هو شيء فيه نظر ، ودفن رسول الله فيه لعله من خصائصه ، سيما وقد روي : ( الأنبياء يدفنون حيث يموتون ) . قلت : هذه الرواية رواها ابن ماجة من حديث ابن عباس عن أبي بكر مرفوعاً : ( ما قبض نبي إلاَّ دفن حيث يقبض ) . وفي إسناده : حسين بن عبد اللَّه الهاشمي ، وهو ضعيف ، وروى الترمذي في ( الشمائل ) والنسائي في ( الكبرى ) من طريق سالم بن عبيد الأشجعي : ( عن أبي بكر الصديق ، رضي ا تعالى عنه أنه : قيل له : وأين يدفن رسول ا ؟ قال : في المكان الذي قبض ا فيه روحه ، فإنه لم يقبض روحه إلاَّ في مكان طيب ) ، وهذا الإسناد صحيح ولكنه موقوف ، وحديث ابن ماجة أكثر تصريحاً في المقصود . وقال بعضهم : وإذا حمل دفنه في بيته على الاختصاص لم يبعد نهي غيره عن ذلك ، بل هو متجه لأن استمرار الدفن في البيوت ربما يصيرها مقابر فتصير الصلاة فيها مكروهة . ولفظ أبي هريرة عند مسلم أصرح من حديث الباب ، وهو قوله : ( لا تجعلوا بيوتكم مقابر ) ، فإن ظاهره يقتضي النهي عن الدفن في البيوت مطلقاً . قلت : لا نسلم هذا الاقتضاء من ظاهر اللفظ ، بل المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ : لا تجعلوا بيوتكم