العيني

178

عمدة القاري

خروق وهدوم ، فأما الخرب فإنها تعمر ولا تسوى ، وقال عياض : هذا التكلف لا حاجة إليه فإن الذي ثبت في الرواية صحيح المعنى ، كما أمر يقطع النخل لتسوية الأرض ، أمر بالخرب فرفعت رسومها وسويت مواضعها لتصير جميع الأرض مبسوطة مستوية للمصلين ، وكذلك فعل بالقبور . وفي ( مصنف ) ابن أبي شيبة ، بسند صحيح : وأمر بالحرث فحرث ، وهو الذي زعم ابن الأثير أنه روي بالحاء المهملة والثاء المثلثة ، يريد الموضع المحروث للزراعة . قلت : كذا هو في رواية الكشميهني ، ولكن قيل : إنه وهم . قوله : ( وبالنخل ) أي : أمر بالنخل فقطع . قوله : ( فصفوا النخل ) من صففت الشيء صفاً ، وفي ( مغازي ابن بكير ) عن ابن إسحاق : جعلت قبلة المسجد من اللبن ، ويقال : بل من حجارة منضودة بعضها على بعض ، وسيأتي في ( الصحيح ) : أن المسجد كان على عهده مبنياً باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل ، ولم يزد فيه أبو بكر شيئاً ، ولعل المراد بالقبلة جهتها ، لا القبلة المعهودة اليوم ، فإن ذلك لم يكن ذلك الوقت ، وورد أيضاً أنه كان في موضع المسجد الغرقد فأمر أن يقطع ، وكان في المربد قبور جاهلية فأمر بها رسول الله فنبشت ، وأمر بالعظام أن تغيب ، وكان في المربد ماء مستنجل فستره حتى ذهب . قوله : نز قليل الجري ، من النجل وهو : الماء القليل ، وجعلوا طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع ، وفي هذين الجانبين مثل ذلك فهو مربع ، ، ويقال : كان أقل من المائة ، وجعلوا الأساس قريباً من ثلاثة أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللبن ، وجعل النبي ينقل معهم اللبن والحجارة بنفسه ويقول : * هذا الجمال لا جمال خيبر * هذا أبر ربنا وأطهر * وجعل قبلته إلى القدس ، وجعل له ثلاثة أبواب باباً في مؤخره ، وباباً يقال له : باب الرحمة ، وهو الباب الذي يدعى باب العاتكة ، والثالث : الذي يدخل منه ، عليه الصلاة والسلام ، وهو الباب الذي يلي آل عثمان ، وجعل طول الجدار قامة وبسطة ، وعمده الجذوع ، وسقفه جريداً فقيل له : ألا تسقفه ؟ فقال : عريش كعريش موسى خشيبات ، وتمام الأمر أعجل من ذلك ، وسيأتي في الكتاب عن قريب : عن ابن عمر : أن المسجد كان على عهد رسول الله مبنياً باللبن وسقفه الجريد وعمده خشب النخل ، ولم يزد فيه أبو بكر شيئاً ، وزاد فيه عمر ، وبناه على بنائه في عهد النبي باللبن والجريد وأعاد عمده خشباً ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة ، وبنى جداره بحجارة منقوشة والقصة وجعل عمده حجارة منقوشة ، وسقفه بالساج . وفي ( الإكليل ) ثم بناه الوليد بن عبد الملك في إمرة عمر بن عبد العزيز ، وفي ( الروض ) : ثم بناه المهدي ، ثم زاد فيه المأمون ، ثم لم يبلغنا تغيره إلى الآن . قوله : ( عضادتيه ) تثنية : عضادة ، بكسر العين . قال ابن التياني في ( الموعب ) : قال أبو عمر : وهي جانب الحوض ، وعن صاحب ( العين ) : أعضاد كل شيء ما يشده من حواليه من البناء وغيره ، مثال عضاد الحوض ، وهي صفائح من حجارة ينصبن على شفيره ، وعضادتا الباب ما كان عليهما يطبق الباب إذا أصفق . وفي ( التهذيب ) للأزهري : عضادتا الباب الخشبتان المنصوبتان عن يمين الداخل منه وشماله ، وزاد القزاز : فوقهما العارضة . قوله : ( يرتجزون ) أي : يتعاطون الرجز ، من : الرجز ، وهو ضرب من الشعر ، وقد رجز الراجز وأرجزه ، وقد اختلف العروضيون وأهل الأدب في الرجز هل هو شعر أم لا ، مع اتفاق أكثرهم على أن الرجز لا يكون شعراً ، وعليه يحمل ما جاء من النبي من ذلك : لأن الشعر حرام عليه بنص القرآن العظيم . وقال القرطبي : الصحيح في الرجز أنه من الشعر ، وإنما أخرجه من الشعر من أشكل عليه إنشاد النبي إياه ، فقال : لو كان شعراً لما علمه . قال : وهذا ليس بشيء ، لأن من أنشد القليل من الشعر أو قاله أو تمثل به على وجه الندور لم يستحق اسم شاعر ، ولا يقال فيه : إنه يعلم الشعر ، ولا ينسب إليه . وقال ابن التين : لا يطلق على الرجز شعرا ، إنما هو كلام مرجز مسجع بدليل أنه يقال لصانعه : راجز ، ولا يقال : شاعر . ويقال : أنشد رجزاً ولا يقال أنشد شعراً . وقيل : أن ما قاله الشاعر ليس برجز ولا موزون ، وقد اختلف هل يحل له الشعر ؟ فعلى القول بنفي الجواز هل يحكى بيتاً واحداً ؟ فقيل : لا يتمه إلاَّ متغيراً وأبعد من قال : البيت الواحد ليس بشعر ، ولما ذكر قول طرفه . * ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً . * قال : قال : * ويأتيك من لم تزود بالأخبار * . فقال أبو بكر : يا رسول ا لم يقل هكذا ، وإنما قال : * ويأتيك بالأخبار من لم تزود . * فقال : كلاهما سواء ، فقال : أشهد أنك لست بشاعر ، ولا تحسنه . ولما أنشد ، على ما ذكرنا ، خرج أن يكون شعراً ، وقد قيل : قوله تعالى : * ( وما علمناه الشعر ) * ( يس : 96 ) أي : صنعته ، وهي الآلة التي له ، فأما أن يحفظ ما قال الناس فليس بممتنع عليه . قوله :