العيني

179

عمدة القاري

( والنبي معهم ) ، جملة حالية ، أي : والنبي يرتجز معهم ، وكذا قوله : ( وهو يقول ) حال قوله : ( اللهم ) معناه : يا ا ، وقال البصريون : اللهم ، دعاء بجميع أسمائه إذ : الميم ، تشعر بالجمع كما في : عليهم ، وقال الكوفيون : أصله ا أمنا بخير ، أي : اقصدنا ، فخفف فصار : اللهم قوله : ( لا خير إلاَّ خير الآخرة ) . وفي رواية أبي داود . ( اللهم إن الخير خير الآخرة ) . قوله : ( فاغفر للأنصار ) ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي : ( فاغفر الأنصار ) ، بحذف : اللام ، ووجهه أن يضمن : أغفر ، معنى : استر ، وفي رواية أبي داود عن مسدد شيخ البخاري وشيخه أيضاً ، بلفظ : ( فانصر الأنصار ) ، والأنصار جمع نصير ، كأشراف جمع شريف ، والنصير الناصر من نصره ا على عدوه ينصره نصراً ، والأسم : النصرة ، وسموا بذلك لأنهم أعانوه على أعدائه وشدوا منه ، ( والمهاجرة ) الجماعة المهاجرة ، وهم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة النبوية محبة فيه وطلباً للآخرة ، ، والهجرة في الأصل من الهجر ضد الوصل ، وقد هجره هجراً وهجراناً ، ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض ، وترك الأولى للثانية . يقال منه هاجر مهاجرة ، وقال الكرماني : واعلم أنه لو قرىء هذا البيت بوزن الشعر ينبغي أن يوقف على : الآخرة ، والمهاجرة ، إلاَّ أنه قيل : إنه قرأهما بالتاء متحركة خروجاً عن وزن الشعر . ذكر ما يستنبط منه من الأحكام : فيه : جواز الإرداف . وفيه : جواز الصلاة في مرابض الغنم . وفيه : جواز التصرف في المقبرة المملوكة بالهبة والبيع . وفيه : جواز نبش قبور المشركين لأنه لا حرمة لهم . فإن قلت : كيف يجوز إخراجهم من قبورهم والقبر مختص بمن دفن فيه فقد جازه فلا يجوز بيعه ولا نقله عنه ؟ قلت : تلك القبور التي أمر النبي بنبشها لم تكن أملاكاً لمن دفن فيها ، بل لعلها غصبت ، فلذلك باعها ملاكها وعلى تقدير التسليم أنها حبست فليس بلازم ، إنما اللازم تحبيس المسلمين لا الكفار ، ولهذا قالت الفقهاء : إذا دفن المسلم في أرض مغصوبة يجوز إخراجه فضلاً عن المشرك ، وقد يجاب بأنه دعت الضرورة والحاجة إلى نبشهم فجاز ، فإن قلت : هل يجوز في هذا الزمان نبش قبور الكفار ليتخذ مكانها مساجد ؟ قلت : أجاز ذلك قوم محتجين بهذا الحديث ، وبما رواه أبو داود أن النبي قال : هذا قبر أبي رغال ، وهو : أبو ثقيف ، وكان من ثمود وكان بالحرم يدفع عنه ، فلما خرج أصابته النقمة فدفن بهذا المكان ، وآية ذلك أنه دفن معه غصن من ذهب فابتدر الناس فنبشوه واستخرجوا الغصن ، قالوا : فإذا جاز نبشها لطلب المال فنبشها للانتفاع بمواضعها أولى ، وليست حرمتهم موتى بأعظم منها وهم أحياء ، بل هو مأجور في ذلك ، وإلى جواز نبش قبورهم للمال ذهب الكوفيون والشافعي وأشهب بهذا الحديث ، وقال الأوزاعي : لا يفعل ، لأن رسول الله لما مر بالحجر قال : ( لا تدخلوا بيوت الذين ظلموا إلاَّ أن تكونوا باكين ) . فنهى أن يدخل عليهم بيوتهم ، فكيف قبورهم ؟ وقال الطحاوي : قد أباح دخولها على وجه البكاء . فإن قلت : هل يجوز أن تبنى على قبور المسلمين ؟ قلت : قال ابن القاسم : لو أن مقبرة من مقابر المسلمين عفت فبنى قوم عليها مسجداً لم أر بذلك بأساً ، وذلك لأن المقابر وقف من أوقاف المسلمين لدفن موتاهم لا يجوز لأحد أن يملكها ، فإذا درست واستغنى عن الدفن فيها جاز صرفها إلى المسجد ، لأن المسجد أيضاً وقف من أوقاف المسلمين لا يجوز تملكه لأحد ، فمعناهما على هذا واحد . وذكر أصحابنا أن المسجد إذا خرب ودثر ولم يبق حوله جماعة ، والمقبرة إذا عفت ودثرت تعود ملكاً لأربابها ، فإذا عادت ملكاً يجوز أن يبنى موضع المسجد داراً وموضع المقبرة مسجداً وغير ذلك ، فإذا لم يكن لها أرباب تكون لبيت المال . وفيه : أن القبر إذا لم يبق فيه بقية من الميت ومن ترابه المختلط بالصديد جازت الصلاة فيه . وفيه : جواز قطع الأشجار المثمرة للضرورة والمصلحة إما لاستعمال خشبها أو ليغرس موضعها غيرها أو لخوف سقوطها على شيء تتلفه أو لاتخاذ موضعها مسجداً ، وكذا قطعها في بلاد الكفار إذا لم يرج فتحها لأن فيه نكاية وغيظاً لهم وإرغاماً . وفيه : جواز الارتجاز وقول الأشعار ونحوها لتنشيط النفوس وتسهيل الأعمال والمشي عليها . 94 ( ( بابُ الصَّلاَةِ فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ ) ) أي : هذا باب في بيان الصلاة في مرابض الغنم ، وقد ذكرنا أن المرابض جمع : مربض ، بكسر الباء ، لأنه من ربض يربض ، مثل :