العيني
177
عمدة القاري
باب الفرديس ، واتصلت حيطانها بالعقبة ، وهي محلة عظيمة بظاهر دمشق ، وذكر ابن عساكر في كتابه : أن تبعاً هذا لما قدم مكة وكسى الكعبة وخرج إلى يثرب كان في مائة ألف وثلاثين ألفاً من الفرسان ، ومائة ألف وثلاثة عشر ألفاً من الرجالة . وذكر أيضاً : أن تبعا لما خرج من يثرب مات في بلاد الهند ، وذكر السهيلي : أن دار أبي أيوب هذه صارت بعده إلى أفلح مولى أبي أيوب فاشتراه منه ، بعد ما خرب ، المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بألف دينار بعد حيلة احتالها عليه المغيرة ، فأصلحه المغيرة وتصدق به على أهل بيت فقراء بالمدينة . قوله : ( ويصلي في مرابض الغنم ) ، المرابض جمع : مربض ، وهو : مأوى الغنم . قوله : ( إنه أمر ) بكسر الهمزة في : إن ، لأنه كلام مستقبل بذاته ، أي : إن النبي أمر ببناء المسجد ، ويروى : أمر ، على بناء المفعول ، فعلى هذا يكون الضمير في : أنه ، للشأن ، والمسجد : هو بكسر الجيم وفتحها ، وهو الموضع الذي يسجد فيه . وفي ( الصحاح ) : المسجد ، بفتح الجيم : موضع السجود ، وبكسرها : البيت الذي يصلى فيه . ومن العرب من يفتح في كلا الوجهين ، وعن الفراء : سمعنا المسجد والمسجد ، والفتح جائز وإن لم نسمعه . وفي ( المعاني ) للزجاج : كل موضع يتعبد فيه مسجد . قوله : ( ثامنوني ) بالثاء المثلثة ، وقال الكرماني : أي بيعونيه بالثمن ، وقال بعضهم : أي اذكروا لي ثمنة . وقال صاحب ( التوضيح ) : أي قدروا ثمنه لأشتريه منكم وبايعوني فيه . قلت : كل ذلك ليس تفسيراً لموضوع هذه المادة ، وإن كان يدل على المقصود ، والتفسير هو الذي ذكرته في ( شرح سنن أبي داود ) وهو : أن هذه اللفظة من : ثامنت الرجل ، في البيع أثامنه ، إذا قاولته في ثمنه ، وساومته على بيعه وشرائه . قوله : ( بحائطكم ) ، الحائط ههنا البستان يدل عليه قوله : ( وفيه نخل ) ، وبالنخل فقطع ، وفي لفظ : كان مربداً ، وهو الموضع الذي يجعل فيه التمر لينشف . قوله : ( لا نطلب ثمنه إلاَّ إلى ا عز وجل ) ، وقال الكرماني ما حاصله : لا نطلب ثمن المصروف في سبيل ا ، وأطلق الثمن على سبيل المشاكلة . ثم قال : فإن قلت : ر الطلب يستعمل : بمن ، فالقياس أن يقال : إلاَّ من ا قلت : معناه : لا نطلب الثمن من أحد ، لكنه مصروف إلى ا تعالى ، قلت : وهذا كله تعسف مع تطويل ، بل معناه : لا نطلب الثمن إلاَّ من ا تعالى ، وكذا وقع عند الإسماعيلي : لا نطلب ثمنه إلاَّ من ا . وقد جاء : إلى ، في كلام العرب للابتداء ، كقوله : فلا يروى إلى ابن أحمد . أي : منى ، ويجوز أن تكون : إلى ههنا ، على معناها لانتهاء الغاية ، ويكون التقدير : ننهي طلب الثمن إلى ا ، كما في قولهم : أحمد إليك ا ، والمعنى : أنهي حمده إليك ، والمعنى لا نطلب منك الثمن بل نتبرع به ، ونطلب الثمن أي : الأجر من ا تعالى ، وهذا هو المشهور في ( الصحيحين ) . وذكر محمد بن سعد في ( الطبقات ) : على الواقدي أن النبي ، صلى ا تعالى عليه وسلم ، اشتراه منهم بعشرة دنانير ، دفعها أبو بكر الصديق . ويقال : كان ذلك مربد اليتيمين ، فدعاهما النّبي صلى ا تعالى عليه وسلم ، فساومهما ليتخذه مسجداً ، فقالا : بل نهبه لك يا رسول ا ، فأبى رسول ا ، صلى ا تعالى عليه وسلم ، حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير ، وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك . وفي ( المغازي ) لأبي معشر : فاشتراه أبو أيوب منهما وأعطاه الثمن ، فبناه مسجداً . واليتيمان هما : سهل وسهيل ، ابنا رافع بن عمرو بن أبي عمرو ، من بني النجار ، كانا في حجر أسعد بن زرارة ، وقيل : معاذ بن عفراء ، وقال معاذ : يا رسول ا أنا أرضيهما ، فاتخذه مسجداً . ويقال أن بني النجار جعلوا حائطهم وقفاً وأجازه النبي ، صلى ا تعالى عليه وآله وسلم ، واستدل ابن بطال بهذا على صحة وقف المشاع . وقال : وقف المشاع جائز عند مالك ، وهو قول أبي يوسف والشافعي ، خلافاً لمحمد بن الحسن ، والصحيح أن بني النجار لم يوقفوا شيئاً ، بل باعوه ووقفه النبي ، فليس وقف مشاع . قوله : ( قبور المشركين ) بالرفع بدل أو بيان لقوله : ( ما أقول ) . قوله : ( وفيه خرب ) قال أبو الفرج : الرواية المعروفة : ( خرب ) ، بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء ، جمع خربه . كما يقال : كلمة وكلم ، وقال أبو سليمان : حدّثناه الخراب ، بكسر الخاء وفتح الراء وهو : جمع الخراب ، وهو ما يخرب من البناء في لغة بني تميم ، وهما لغتان صحيحتان رويتا ، وقال الخطابي : لعل صوابه : خرب ، بضم الخاء المعجمة : جمع : خربة ، وهي الخروق في الأرض إلاَّ أنهم يقولونها في ثقبة مستديرة في أرض أو جدار ، قال : ولعل الرواية جرف جمع الجرفة ، ويه جمع الجرف ، كما يقال : خرج وخرجة ، وترس وترسة ، وأبين من ذلك إن ساعدته الرواية أن يكون حدباً جمع حدبة ، وهو الذي يليق بقوله : فسويت ، وإنما يسوى المكان المحدودب أو موضع من الأرض فيه