العيني

176

عمدة القاري

راحلته ناقة تسمى القصواء . قوله : ( وأبو بكر ردفه ) ، جملة اسمية في موضع النصب على الحال ، والردف بكسر الراء وسكون الدال : المرتدف ، وهو الذي يركب خلف الراكب . وأردفته أنا إذا أركبته معك ، وذاك الموضع الذي يركبه : رداف ، وكل شيء تبع شيئاً فهو : ردفه . وكان لأبي بكر ناقة ، فلعله تركها في بني عمرو بن عوف لمرض أو غيره ، ويجوز أن يكون ردها إلى مكة ليحمل عليها أهله ، وثم وجه آخر حسن وهو : أن ناقته كانت معه ، ولكنه ما ركبها لشرف الارتداف خلفه ، لأنه تابعه والخليفة بعده . قوله : ( وملأ بني النجار حوله ) جملة اسمية حالية أيضاً و : الملأ ، أشراف القوم ورؤساؤهم ، سموا بذلك لأنهم ملاء بالرأي والغنى ، والملأ : الجماعة ، والجمع أملاء . وقال ابن سيده : وليس الملأ من باب : رهط ، وإن كان اسمين ، لأن رهطاً لا واحد له من لفظه ، والملأ : رجل مالىء جليل ملأ العين بجهرته ، فهو كالعرب والزوج ، حكى ملأته على الأمر أملؤه وملأته كذلك ، أي : شاورته ، و : ما كان الأمر عن ملأ منا أي : عن تشاور وإجماع . قوله : ( ألقى ) أي : حتى ألقى رحله والمفعول محذوف ، يقال : ألقيت الشيء إذا طرحته . وقوله : ( بفناء أبي أيوب ) أي : بفناء دار أبي أيوب ، الفناء ، بكسر الفاء : سعة أمام الدار والجمع أفنية ، وفي ( المجمل ) : فناء الدار ما امتد من جوانبها . وفي ( المحكم ) : وتبدل الباء من الفاء . واسم أبي أيوب : خالد بن زيد الأنصاري ، رضي ا تعالى عنه ، وقد ذكرناه عن قريب ، وفي ( شرف المصطفى ) : لما نزلت الناقة عند دار أبي أيوب جعل جبار ابن صخر ينخسها برجله ، فقال أبو أيوب : يا جبار ، أعن منزلي تنخسها ؟ أما والذي بعثه بالحق لولا الإسلام لضربتك بالسيف قلت : جبار بن صخر بن أمية بن خنساء السلمي ، ويقال : جابر بن صخر الأنصاري ، شهد العقبة وبدراً وهو صحابي كبير ، روى محمد بن إسحاق عن أبي سعد الخطمي سمع جبار بن عبد اللَّه قال : ( صليت خلف رسول الله أنا وجابر بن صخر فأقامنا خلفه ) . والصحيح : أن اسمه : جبار بن صخر . وذكر محمد بن إسحاق في كتاب ( المبتدأ وقصص الأنبياء ) ، عليهم الصلاة والسلام ، تأليفه : أن تبعاً وهو ابن حسان لما قدم مكة قبل مولد رسول ا ، بألف عام ، وخرج منها إلى يثرب وكان معه أربع مائة رجل من الحكماء ، فاجتمعوا وتعاقدوا على أن لا يخرجوا منها ، وسألهم تبع عن سر ذلك فقالوا : إنا نجد في كتبنا أن نبياً اسمه محمد هذه دار مهاجره ، فنحن نقيم لعل أن نلقاه ، فأراد تبع الإقامة معهم ، ثم بني لكل واحد من أولئك دار ، واشترى له جارية وزوجها منه ، وأعطاهم مالاً جزيلاً ، وكتاباً فيه إسلامه وقوله : شهدت على أحمد أنه رسول من ا بارىء النسم في أبيات ، وختمه بالذهب ودفعه إلى كبيرهم ، وسأله أن يدفعه إلى محمد إن أدركه وإلاَّ من أدركه من ولده ، وبني للنبي داراً ينزلها إذا قدم المدينة ، فتداول الدار الملاك إلى أن صارت لأبي أيوب ، رضي ا تعالى عنه وهو من ولد ذلك العالم الذي دفع إليه الكتاب ، قال : وأهل المدينة من ولد أولئك العلماء الأربع مائة ، ويزعم بعضهم أنهم كانوا الأوس والخررج ، ولما خرج رسول ا صلى تعالى عليه وآله وسلم ، أرسلوا إليه كتاب تبع مع رجل يسمى أبا ليلى ، فلما رآه قالت : أنت أبو ليلى ومعك كتاب تبع الأول ، فبقي أبو ليلى متفكراً ولم يعرف النبي ، فقال : من أنت فإني لم أر في وجهك أثر السحر ، وتوهم أنه ساحر ، فقال : أنا محمد ، هات الكتاب . فلما قرأه ، قال : مرحباً بتبع الأخ الصالح ، ثلاث مرات ، وفي سيرة ابن إسحاق : اسمه تبان أسعد أبو كرب ، وهو الذي كسى البيت الحرام ، وفي ( مغايص الجوهر في أنساب حمير ) : كان يدين بالزبور ، وفي ( معجم الطبراني ) : ( لا تسبوا تبعاً ) . وقال الثعلبي بإسناده إلى سهل بن سعد ، رضي ا تعالى عنه ، إنه قال : ( سمعت رسول الله يقول : لا تسبوا تبعاً فإنه كان قد أسلم ) . وأخرجه أحمد في مسنده . وتبع ، بضم التار المثناة من فوق وفتح الباء المشددة وفي آخره عين مهملة : لقب لكل من ملك اليمن ، ككسرى لقب لكل من ملك الفرس ، وقيصر لكل من ملك الروم ، وقال عكرمة : إنما سمي لكثرة أتباعه ، وكان يعبد النار ، فسألم قال : وهذا تبع الأوسط ، قال : وأقام ملكاً ثلاثاً وثلاثين سنة ، وقيل : ثمانين سنة . وقال ابن سيرين : هو أول من كسى البيت وملك الدنيا والأقاليم بأسرها ، وحكى القاسم بن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز أنه قال : كان إذا عرض الخيل قاموا صفاً من دمشق إلى صنعاء ، وهذا بعيد إن أراد به صنعاء اليمن ، لأن بينها وبين دمشق أكثر من شهرين ، والظاهر أنه أراد بها صنعاء دمشق ، وهي قرية على باب دمشق من ناحية