العيني
128
عمدة القاري
92 ( ( بابُ قِبْلَةِ أهْلِ المَدِينةِ وأهْلِ الشَّأَمِ والمَشْرِقِ لَيْسَ في المَشْرِقِ ولاَ في المَغْرِبِ قِبْلَة ) ) هذا الموضع يحتاج إلى تحرير قوي ، فإن أكثر من تصدى لشرحه لم يغنِ شيئاً بل بعضهم ركب البعاد وخرط القتاد ، فنقول ، وبا التوفيق : إن قوله : باب ، إما أن يضاف إلى ما بعده أو يقطع عنه ، وإن لفظة : قبلة ، بعد قوله : ولا في المغرب ، إما أن تكون موجودة أو لا ، ولكل واحد من ذلك وجه . ففي القطع وعدم وجود لفظة : قبلة ، يكون لفظة . باب ، منوناً على تقدير : هذا باب . ويجوز أن يكون ساكناً مثل تعداد الأسماء لأن الإعراب لا يكون إلاَّ بالعقد والتركيب ، ويكون قوله : قبلة أهل المدينة ، الذي هو كلام إضافي مبتدأ ، أو ، قوله : وأهل الشام ، بالجر عطفاً على المضاف إليه ، وكذلك قوله : والمشرق ، بالجر . وقوله : ليس في المشرق ، خبر المبتدأ . ولكن لا بد فيه من تقديرين : أحدهما : أن يقدر لفظ : قبلة ، الذي هو المبتدأ بلفظ : مستقبل أهل الشام ، لوجوب التطابق بين المبتدأ والخبر في التذكير والتأنيث . والثاني : أن يؤول لفظ : المشرق ، بالتشريق ، ولفظ : المغرب ، بالتغريب ، والعرب تطلق المشرق والمغرب لمعنى التشريق والتغريب ، قاله ثعلب وأنشد . أبعد مغربهم بغداد ساحتها وقال ثعلب : معناه أبعد تغريبهم ؟ فإن قلت : لم لم يذكر : المغرب ، بعد قوله : والمشرق ، مع أن العلة فيهما مشتركة ؟ قلت : اكتفى بذلك عنه كما في قوله تعالى : * ( سرابيل تقيكم الحر ) * ( النحل : 18 ) أي : والبرد ، وأما تخصيص المشرق فلأن أكثر بلاد الإسلام في جهة المشرق . وأما في الإضافة ، وتقدير وجود لفظ : قبلة ، بعد قوله : ولا في المغرب ، فتقديره ؛ هذا باب في بيان قبلة أهل المدينة وقبلة أهل الشام وقبلة أهل المشرق ، ثم بين ذلك بالجملة الاستئنافية ، وهي قوله : ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة ، ولهذا ترك العاطف ، والجملة الاستئنافية في الحقيقة جواب عن سؤال مقدر ، وهو أنه : لما قال : باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق ، انتصب سائل فقال : كيف قبلة هذه المواضع ؟ فقال : ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة . وقال السفاقسي : يريد أن قبلة هؤلاء المسلمين ليست في المشرق منهم ولا في المغرب ، بدليل أن النبي ، أباح لهم قضاء الحاجة في جهة المشرق منهم والمغرب . قلت : معناه : القبلة ما بينهما ، لما روى الترمذي بإسناده عن أبي هريرة ، قال : قال النبي : ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) . ثم قال : وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي : ما بين المشرق والمغرب قبلة ، منهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن عباس ، وقال ابن عمر : ( إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة إذا استقبلت القبلة ) وقوله : ( ما بين المشرق والمغرب قبلة ) ، ليس عاماً في سائر البلاد ، وإنما هو بالنسبة إلى المدينة الشريفة ، وما وافق قبلتها ، وقال البيهقي في ( الخلافيات ) : والمراد ، وا أعلم ، أهل المدينة . ومن كانت قبلته على سمت أهل المدينة . وقال أحمد بن خالد الذهبي : قول عمر بن الخطاب ، رضي ا تعالى عنه : ما بين المشرق والمغرب قبلة ، قاله بالمدينة ، فمن كانت قبلته مثل قبلة المدينة فهو من سعة ما بين المشرق والمغرب ، ولسائر البلدان من السعة في القبلة مثل ذلك بين الجنوب والشمال ، ونحو ذلك ؛ وقال ابن بطال : تفسير هذه الترجمة يعني : وقبلة مشرق الأرض كلها إلاَّ ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من المشرق إلى المغرب ، فحكم مشرق الأرض كلها كحكم مشرق أهل المدينة والشام في الأمر بالانحراف عند الغائط ، لأنهم إذا شرقوا أو غربوا لم يستقبلوا القبلة ولم يستدبروها . قال : وأما ما قابل مشرق مكة من البلاد التي تكون تحت الخط المار عليها من مشرقها ، إلى مغربها فلا يجوز لهم استعمال هذا الحديث ، ولا يصح لهم أن يشرقوا . ولا أن يغربوا لأنهم إذا شرقوا استدبروا القبلة ، وإذا غربوا استقبلوها ، وكذلك من كان موازياً بمغرب مكة إن غرب استدبر القبلة ، وإن شرق استقبلها ، وإنما ينحرف إلى الجنوب أو الشمال ، فهذا هو تغريبه وتشريقه . قال : وتقدير الترجمة : باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام والمشرق والمغرب ليس في التشريق ولا في التغريب يعني أنهم عند الانحراف للتشريق والتغريب ليسوا مواجهين للقبلة ولا مستدبرين لها . لقوْلِ النَّبيِّ ( لاَ تسْتَقْبِلُوا القِبْلَةَ بِغَائِطٍ أوْ بَوْلٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا ) . هذا التعليق رواه النسائي موصولاً . فقال : أخبرنا منصور ، قال : حدّثنا سفيان عن الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب الأنصاري أن النبي ، قال : ( لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولكن شرقوا أو غربوا ) . واحتج البخاري