العيني
129
عمدة القاري
بعموم هذا الحديث ، وسوى بين الصحاري والأبنية ، وجعله دليلاً للترجمة التي وضعها ، واعترض عليه بأن في نفس حديثه الذي ذكره أبو داود في ( سننه ) والبخاري أيضاً على ما يجيء الآن ، ما يدل على عكس ما أراده وذلك أن أبا أيوب رضي ا تعالى عنه ، قال في حديثه ، ( فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة ، لكنا ننحرف عنها ، ونستغفر ا عز وجل ) . قلت : لا يرد عليه هذا أصلاً لأن المنع لأجل تعظيم القبلة وهو موجود في الصحراء والبنيان ، ولهذا قال أبو أيوب : ( لكنا ننحرف عنها ونستغفر ا عز وجل ) ، وهذا هو الذي ذهب إليه أبو حنيفة ، وبه قال أحمد في رواية ، وذهب الشافعي ومالك إلى أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط ، ولا يحرم ذلك في البنيان ، وقد استقصينا الكلام فيه في كتاب الوضوء . 49395 ح دّثنا عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قال حدّثنا سُفْيانُ قال حدّثنا الزُّهْرِيُّ عنْ عَطاءِ بنِ يَزِيدَ عنْ أبي أيُّوب الأَنْصارِيِّ أنَّ النبيَّ قال : ( إِذَا أَتَيْتُمُ الْغائِطَ فَلاَ تَسْتَقْبلوا القِبْلَةَ ولاَ تَسْتَدْبِرُوها ولَكنْ شَرِّقُوا أوْ غَرِّبُوا ) قال أبُو أيُّوبَ فَقَدِمْنا الشَّأَمَ فَوَجَدْنا مَراحِيضَ بُنِيَتْ قِبَلَ القِبْلَةِ فَنَنْحَرِفُ وَنَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تعالى . ( انظر الحديث 441 ) . مطابقة هذا الحديث للترجمة في قوله : ( شرقوا أو غربوا ) لأنه قال فيها : ليس في المشرق ولا في المغرب قبلة ، فإذا لم تكن فيهما قبلة يتوجه المستنجي إليها إما يشرق وإما يغرب . ذكر رجاله وهم خمسة : علي بن عبد ا المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، واسم أبي أيوب خالد بن زيد رضي ا تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضاً في الطهارة عن آدم بن أبي إياس عن ابن أبي ذئب عن الزهري ، وأخرجه مسلم فيها عن يحيى بن يحيى وزهير وابن نمير ، وأبو داود فيها أيضاً عن مسدد ، والترمذي أيضاً عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومي ، خمستهم عن سفيان به ، والنسائي أيضاً عن محمد بن منصور عن سفيان به ، وابن ماجة كذلك عن أبي الطاهر بن السرح عن ابن وهب عن يونس عن الزهري نحوه . ذكر معناه قوله : ( الغائط ) ، اسم للأرض المطمئنة لقضاء الحاجة . قوله : ( فقدمنا الشام ) ، وهو إقليم مشهور يذكر ويؤنث ، ويقال مهموزاً ومسهلاً ، وسميت بسام بن نوح عليه الصلاة والسلام ، لأنه أول من نزلها ، فجعلت السين شيناً معجمة تغييراً للفظ الأعجمي ، وقيل : سميت بذلك لكثرة قراها وتداني بعضها من بعض فشبهت بالشامات . قوله : ( مراحيض ) ، بفتح الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة : جمع مرحاض ، بكسر الميم ، وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان ، أي : التغوط ، قوله : ( قبل الكعبة ) ، بكسر القاف وفتح الباء الموحدة ، أي : مقابلها . قوله : ( فننحرف ) أي : عن جهة القبلة من الانحراف . ويروى : ( فنتحرف ) من التحرف . قوله : ( ونستغفر ا تعالى ) ، قيل : نستغفر ا لمن بناها فإن الاستغفار للمذنبين سنة . وقيل : نستغفر ا من الاستقبال ، وقيل : نستغفر ا من ذنوبه . ويقال : لعل أبا أيوب لم يبلغه حديث ابن عمر في ذلك ولم يره مخصصاً . وحمل ما رواه على العموم ، وهذا الاستغفار لنفسه لا للناس على هذه الهيئة . فإن قلت : الغالط والساهي لم يفعل إثماً فلا حاجة فيه إلى الاستغفار . قلت : أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في التحفظ ابتداء ، وقد مر ما يستنبط منه فيما مضى في كتاب الوضوء . وعنِ الزُّهْرِيِّ عنْ عَطاءٍ قال سَمِعْتُ أبا أيُّوبَ عنِ النبيِّ مِثْلَهُ . قوله : ( وعن الزهري ) عطف على قوله : ( حدّثنا سفيان عن الزهري ) يعني بالإسناد المذكور أيضاً عن الزهري عن عطاء بن يزيد المذكور ، سمعت أبا أيوب . وفائدة ذكره مكرراً أن في الطرق الأول عنعن الزهري عن عطاء عن أبي أيوب ، وفي هذا الطريق صرح عطاء بالسماع عن أبي أيوب ، والسماع أقوى من العنعنة . وقال الكرماني : السماع أقوى من العنعنة . وهي أقوى من أن ، لكن فيه ضعف من جهة التعليق عن الزهري . قلت : الظاهر مع الكرماني ، ولكن الحديث بهذا