العيني

85

عمدة القاري

يَتَوَضَّؤُنَ في زَمانِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم جمِيعاً . مطابقة الحديث للترجمة غير ظاهرة لأنه يدل على الترجمة صريحاً ، لأن المذكور فيها شيئان ، والحديث ليس فيه إلاَّ شيء واحد . وقال الكرماني : يدل على الأول صريحاً ، وعلى الثاني التزاماً . فإن قلت : هذا لا يدل على أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون من إناء واحد . قلت : قال الدارقطني : وروى هذا الحديث محمد بن النعمان عن مالك بلفظ : ( من الميضأة ) . وفي رواية القعنبي وابن وهب عنه : ( كانوا يتوضؤون زمن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، في الإناء الواحد ) . وأخرجه أبو داود أيضاً من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر قال : ( كنا نتوضأ نحن والنساء من إناء واحد على عهد رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، ندلي فيه أيدينا ) ، ولا شك أن الأحاديث يفسر بعضها بعضاً . بيان رجاله وهم أربعة كلهم تقدموا ، وعبد الله هو التنيسي . بيان لطائف اسناده منها : أن فيه التحديث بصيغة الجمع والإخبار بصيغة الجمع والعنعنة والقول . ومنها : أن رواته ما بين تنيسي ومدني . ومنها : أن هذا السند من سلسلة الذهب ، وعن البخاري : أصح أسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر . بيان المعاني قال بعضهم ظاهر : ( كان الرجال ) التعميم ، لكن : اللام ، للجنس لا للاستغراق . قلت : أخذ هذا من كلام الكرماني حيث قال : فإن قلت : يقرر في علم الأصول أن الجمع المحلى بالألف واللام للاستغراق ، فما حكمه ههنا ؟ قلت : قالوا بعمومه إلا إذا دل الدليل على الخصوص ، وههنا القرينة العادية مخصصة بالبغض . قلت : الجمع مثل الرجال والنساء وما في معناه من العام المتناول للمجموع إذا عرّف باللام يكون مجازاً عن الجنس ، مثلاً إذا قلت : فلان يركب الخيل ويلبس الثياب البيض ، يكون للجنس للقطع بأن ليس القصد إلى عهد أو استغراق ، فلو حلف لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد أو لا يكلم الناس يحنث بالواحد ، إلا أن ينوي العموم فلا يحنث قط ، لأنه نوى حقيقة كلامه ، ثم هذا الجنس بمنزلة النكرة يخص في الإثبات ، كما إذا حلف أن يركب الخيل يحصل البر بركوب واحد ، ثم قول ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما : ( كان الرجال والنساء ) إثبات فيقع على الأقل بقرينة العادة ، وإن كان يحتمل الكل . فإن قلت : لا يصلح التمسك به لأن قوله : ( جميعا ) ينافي وقوعه على الأقل . قلت : معناه مجتمعين ، فالاجتماع راجع إلى حالة كونهم يتوضؤون لا إلى كون الرجال والنساء مطلقاً . فافهم . فإنه موضع دقيق . ثم قال الكرماني . فان قلت : لا يصح التمسك به ، لأن فعل البغض ليس بحجة . قلت : التمسك ليس بالإجماع بل بتقرير الرسول ، عليه الصلاة والسلام . أقول : حاصل السؤال أنه لا يصح التمسك بما روي عن ابن عمر من قوله : ( كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمن النبي ، عليه الصلاة والسلام ) لأنك قد قلت : إن المراد البعض لقيام القرينة عليه بذلك ، واجتماع الكل متعذر ، فلا يكون حجة لعدم الإجماع عليه ، وحاصل الجواب أن التمسك ليس بطريق الاجتماع ، بل بأن الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، قررهم على ذلك ولم ينكر عليهم ، فيكون ذلك حجة للجواز . وقد ذكر أهل الأصول أن قول الصحابي : كان الناس يفعلون ، ونحو ذلك ، حجة في العمل . لا سيما إذا قيد الصحابي ذلك بزمن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، ثم قال الكرماني : لِمَ لا يكون من باب الإجماع السكوتي ، وهو حجة عند الأكثر ؟ قلت : لا يتصور الإجماع إلاَّ بعد وفاة رسول الله ، عليه الصلاة والسلام . بيان استنباط الاحكام الأول : فيه أن الصحابي إذا أسند الفعل إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون حكمه الرفع عند الجمهور ، خلافاً لقوم . وقال بعضهمم : يستفاد منه أن البخاري يرى ذلك . قلت : لا نسلم ذلك ، لأن البخاري وضع هذا المروي عن ابن عمر لبيان جواز وضوء الرجال والنساء جميعاً من إناء واحد ، ومع هذا لا يطابق هذا ترجمة الباب بحسب الظاهر كما قررناه . الثاني فيه دليل على جواز توضيء الرجل والمرأة من إناء واحد . وأما فضل المرأة فيجوز عند الشافعي الوضوء به أيضاً للرجل ، سواء خلت به أو لا . قال البغوي ، وغيره : فلا كراهة فيه للأحاديث الصحيحة فيه ، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء . وقال أحمد وداود : لا يجوز إذا خلت به ، وروي هذا عن عبد الله بن سرجس والحسن البصري ، وروي عن أحمد كمذهبنا ، وعن ابن المسيب والحسن كراهة فضلها مطلقاً . وحكى أبو عمر فيها خمسة مذاهب : أحدها : أنه لا بأس أن يغتسل الرجل بفضلها ما لم تكن جنباً أو حائضاً . والثاني : يكره أن يتوضأ بفضلها وعكسه . والثالث : كراهة فضلها له والرخصة في عكسه . والرابع : لا بأس بشروعهما معاً ، ولا ضير في فضلها ، وهو قول احمد . والخامس : لا بأس بفضل كل منهما شرعاً جميعاً أو خلا كل واحد منهم به ، وعليه فقهاء الأمصار . اما اغتسال الرجال والنساء من إناء واحد ، فقد نقل الطحاوي والقرطبي والنووي الاتفاق على جواز ذلك ، وقال بعضهم : وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهي عنه . وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم . قلت : في نظره نظر ، لأنهم قالوا بالاتفاق دون الإجماع ، فهذا القائل لم يعرف الفرق بين الاتفاق والاجماع ، على أنه روى جواز ذلك عن تسعة من الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، وهم : علي بن أبي طالب وابن عباس وجابر وأنس وأبو هريرة وعائشة وأم سلمة وأم هانىء وميمونة . فحديث علي ، رضي الله عنه ، عن أحمد قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله يغتسلون من إناء واحد ) ، وحديث ابن عباس عند الطبراني في ( الكبير ) من حديث عكرمة عنه : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة اغتسلا من إناء واحد من جنابة ، وتوضآ جميعا للصلاة ) ؛ وحديث جابر ، رضي الله عنه ، عند ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأزواجه يغتسلون من إناء واحد ) ؛ وحديث أنس عند البخاري عن أبي الوليد عن شعبة عن عبد الله بن جبير عن أنس بن مالك ، رضي الله تعالى عنه ، قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل هو والمرأة من نسائه من الإناء الواحد ) . وروى الطحاوي نحوه عن أبي بكرة القاضي ؛ وحديث أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عند البزار في ( مسنده ) قال : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله أو بعض أهله . يغتسلون من إناء واحد ) ؛ وحديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، عند الطحاوي والبيهقي ، قال : ( كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد فيبدأ قبلي ) ؛ وحديث أم سلمة ، رضي الله تعالى عنها عند ابن ماجة والطحاوي ، قالت : ( كنت أغتسل أنا ورسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، من إناء واحد ) ، وأخرجه البخاري بأتم منه ، وحديث أم هانىء ، رضي الله عنها ، عند النسائي : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل هو وميمونة من إناء واحد في قصعة فيها أثر العجين ) ؛ وحديث ميمونة عند الترمذي بإسناده إلى ابن عباس ، قال : حدثتني ميمونة ، قالت : ( كنت اغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من الجنابة ) . وقال : هذا حديث حسن صحيح ، فهذه الأحاديث كلها حجة على من يكره أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة ، أو تتوضأ المرأة بفضل الرجل ، وبقي الكلام في ابتداء أحدهما قبل الآخر . وجاء حديث بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم : ( اغتسلت من جنابة ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم ليتوضأ منها أو يغتسل . فقالت له : يا رسول الله إني كنت جنباً فقال صلى الله عليه وسلم : إن الماء لا يجنب ) . وجاء أيضاً حديث أم حبيبة الجهنية عند ابن ماجة والطحاوي قالت : ( ربما اختلفت يدي ويد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء من إناء واحد ) ، وهذا في حق الوضوء . قال الطحاوي : هذا يدل على أن أحدهما كان يأخذ من الماء بعد صاحبه . فإن قلت : روي عن عبد الله بن سرجس ، قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل