العيني

86

عمدة القاري

المراة والمرأة بفضل الرجل ، ولكن يشرعان جميعا ) ، وأخرجه الطحاوي والدارقطني ، وروي أيضا من حديث الحكم الغفاري ، قال : ( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أو بسؤر المرأة ، لا يدري أبو حاجب أيهما قال ) . وأبو حاجب هو الذي روى عن الحكم ، واسم أبي حاجب : سوادة بن عاصم العنزي . وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة والطحاوي ، وروي أيضاً عن حميد بن عبد الرحمن ، قال : ( كنت لقيت من صحب النبي صلى الله عليه وسلم ، كما صحبه أبو هريرة أربع سنين ، قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ، فذكر مثله ، أخرجه الطحاوي والبيهقي في المعرفة . قلت : نقل عن الإمام أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل المرأة ، وفي جواز ذلك مضطربة ، قال : لكن صح من الصحابة المنع فيما إذا دخلت به ، ولكن يعارض هذا ما روي بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة الذين ذكرناهم . وأشهر الأحاديث عند المانعين : حديث عبد الله ابن سرجس ، وحديث حكم الغفاري . وأما حديث عبد الله بن سرجس ، فإنه روي مرفوعاً وموقوفاً . وقال البيهقي : الموقوف أولى بالصواب ، وقد قال البخاري : أخطأ من رفعه . قلت : الحكم للرافع ، لأنه زاد : والراوي قد يفتي بالشيء ثم يرويه مرة أخرى ، ويجعل الموقوف فتوى فلا يعارض المرفوع ، وصححه ابن حزم مرفوعاً من حديث عبد العزيز بن المختار الذي في مسنده ، والشيخان أخرجا له ، ووثقه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة ، فلا يضره وقف من وقفه . وتوقف ابن القطان في تصحيحه لأنه لم يره إلاَّ في كتاب الدارقطني ، وشيخ الدارقطني فيه لا يعرف حاله . قلت : شيخه فيه عبد الله بن محمد بن سعد المقبري ، ولو رآه عند ابن ماجة أو عند الطحاوي لما توقف ، لان ابن ماجة رواه عن محمد بن يحيى عن المعلي بن أسد ، والطحاوي رواه محمد بن خزيمة ، وهما مشهوران . وأما حديث الحكم الغفاري ، فقالت جماعة من أهل الحديث ، إن هذا الحديث لا يصح ، وأشار الخطابي أيضاً إلى عدم صحته ، وقال ابن منده : لا يثبت من جهة السند . قلت : لما أخرجه الترمذي قال : هذا حديث حسن ، ورجحه ابن ماجة على حديث عبد الله بن سرجس ، وصححه ابن حبان وأبو محمد الفارسي ، والقول قول من صححه لا من ضعفه ، لأنه مسند ظاهره السلامة من تضعف وانقطاع ، وقال ابن قدامة : الحديث رواه أحمد واحتج به ، وتضعيف البخاري له بعد ذلك لا يقبل لاحتمال أن يكون وقع له من غير طريق صحيح ، ويرد بهذا أيضا قول النووي : اتفق الحفاظ على تضعيفه . الثالث من الأحكام أن ظاهر الحديث يدل على جواز تناول الرجال والنساء الماء في حالة واحدة ، وحكى ابن التين عن قوم : أن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعاً من إناء واحد ، هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة . قلت : الزيادة في الحديث وهو قوله : ( من إناء واحد ) يرد عليهم ، وكأنهم استبعدوا اجتماع الرجال والنساء الأجنبيات ، وأجاب ابن التين عن ذلك بما حكاه عن سحنون أن معناه كان الرجال يتوضؤون ويذهبون ، ثم تأتي النساء فيتوضأن . قلت : هذا خلاف الذي يدل عليه جميعاً ، ومع هذا جاء صريحاً وحدة الإناء في ( صحيح ابن خزيمة ) في هذا الحديث من طريق معتمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما : ( أنه أبصر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يتطهرون ، والنساء معهم ، من إناء واحد كلهم يتطهرون منه ) . قيل : ولنا أن نقول : ما كان مانع من ذلك قبل نزول آية الحجاب ، وأما بعده فيختص بالزوجات والمحارم ، وفيه نظر ، والله تعالى أعلم . 44 ( ( بابُ صَبِّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وَضوءَهُ علَى المُغْمَى عَلَيهِ ) ) أي : هذا في بيان صب النبي ، عليه الصلاة والسلام ، وضوء ، بفتح الواو : وهو الماء الذي توضأ به على من أغمي عليه ، يقال : أغمي عليه ، بضم الهمزة ، فهو مغمى عليه ، وغمي بضم الغين وتخفيف الميم فهو مغمى عليه ، بصيغة المفعول ، لأن أصله مغموي على وزن : مفعول ، اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت ياء ، ثم أدغمت الياء في الياء ، فصار : مغمى ، بضم الميم الثانية وتشديد الياء ، ثم أبدلت من ضمة الميم كسرة لأجل الياء ، فصار مغمى ، والإغماء والغشي بمعنى واحد . قاله الكرماني : وليس كذلك ، فإن الغشي مرض يحصل من طول التعب ، وهو أخف من الإغماء ، والفرق بينه وبين الجنون والنوم أن العقل يكون في الإغماء مغلوباً ، وفي الجنون يكون مسلوباً ، وفي النوم يكون مستوراً . والمناسبة بين البابين من حيث إن في كل واحد منهما نوعاً من الوضوء .