العيني
43
عمدة القاري
والإخبار والسماع والعنعنة . ومنها : أن رواته ما بين مروزي وبصري ومدني . ومنها : أن فيه تابعين وهما : عبد الله بن دينار وأبو صالح . بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة مواضع في الشرب والمظالم والأدب ، وأخرجه أيضاً من طريق ابن سيرين : ( بينما كلب يطيف بركة كاد يقتله العطش إذ رأته بغي فنزعت موقها فسبقته فغفر لها ) . أخرجه في ذكر بني إسرائيل . وأخرجه مسلم في الحيوان . وأخرجه أبو داود في الجهاد . بيان اللغات والإعراب : قوله : ( يأكل الثرى ) بفتح الثاء المثلثة والراء ، مقصور : وهو التراب الندي ، قاله الجوهري وصاحب ( الغريبين ) وفي ( المحكم ) : الثرى التراب . وقيل : التراب الذي إذا بل يصير طيناً لازباً ، والجمع اثرى . وفي ( مجمع الغرائب ) : أصل الثرى الندى ، ولذلك قيل للعرق ثرى . ومعنى يأكل الثرى : يلعق التراب . قوله : ( من العطش ) أي : من أجل العطش ، فإن قلت : يأكل الثرى ، ما محله من الإعراب ؟ قلت : نصب إما حال من كلباً ، أو صفة له . قال الكرماني : قلت : لا يجوز أن يكون حالاً ، لأن الشرط أن يكون ذو الحال معرفة ، وههنا نكرة ، ولا يجوز أيضاً أن يكون مفعولاً ثانياً ، لأن الرؤية بمعنى الإبصار . قوله : ( فجعل ) من أفعال المقاربة . وهي ما وضع لدنو الخبر رجاءً أو حصولاً أو أخذاً فيه ، والضمير فيه اسمه . وقوله : ( يغرف ) جملة خبره ، أي : طفق يغرف له . بيان المعاني قوله : ( حتى أرواه ) اي : جعله ريان . قوله : ( فشكر الله له ) ، والشكر هو الثناء على المحسن بما أولاه من المعروف . يقال : شكرته وشكرت له ، وباللام أفصح ، والمراد ههنا مجرد الثناء ، اي : فاثنى الله تعالى عليه ، أو المراد منه الجزاء ، إذ الشكر نوع من الجزاء أي : فجزاه الله تعالى . فان قلت : إدخال الجنة هو نفس الجزاء ، فما معنى الثناء ؟ قلت : هو من باب عطف الخاص على العام ، أو الفاء تفسرية . نحو : * ( فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ) * ( البقرة : 54 ) على ما فسر به من أن القتل كان نفس نوبتهم . فإن قلت : هذه القصة متى وقعت ؟ قلت : هذه من الوقائع التي وقعت في زمن بني إسرائيل ، فلذلك قال : إن رجلاً ، ولم يسم . بيان استنباط الأحكام الأول فيه الإحسان إلى كل حيوان بسقيه أو نحوه ، وهذا في الحيوان المحترم ، وهو ما لا يؤمر بقتله ولا يناقض ، هذا ما أمرنا بقتله أو أبيح قتله ، فإن ذلك إنما شرع لمصلحة راجحة ، ومع ذلك فقد أمرنا بإحسان القتلة . الثاني : فيه حرمة الإساءة إليه ، وإثم فاعله ، فإنه ضد الإحسان المؤجر عليه ، وقد دخلت تلك المرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت . الثالث : قال بعض المالكية : أراد البخاري بإيراد هذا الحديث طهارة سؤر الكلب ، لأن الرجل ملأ خفه وسقاه به ، ولا شك أن سؤره بقي فيه . وأجيب : بأنه ليس فيه أن الكلب شرب الماء من الخف ، إذ قد يجوز أن يكون غرفه به ثم صب في مكان غيره ، أو يمكن أن يكون غسل خفه إن كان سقاه فيه ، وعلى تقدير : أن يكون سقاه فيه لا يلزمنا هذا ، لأن هذا كان في شريعة غيرنا على ما رواه النسائي عن أبي هريرة . وقال الكرماني : أقول فيه دغدغة ، إذ لا يعلم منه أنه كان في زمن بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كان قبلها أو كان بعدها قبل ثبوت حكم سؤر الكلاب ، أو أنه لم يلبس بعد ذلك ، أو غسله . قلت : لا حاجة إلى هذا الترديد ، فإنه روي عن أبي هريرة أنه : كان في شريعة غيرنا ، على ما ذكرنا . الرابع : يفهم منه وجوب نفقة البهائم المملوكة على مالكها بالإجماع . 174 وقالَ أحْمَدُ بنُ شَبِيبٍ حدثنا أبي عنْ يوْنُس عنْ ابنِ شِهَابٍ . قال حدّثنى حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ قالَ كَانَتِ الكِلابُ تَبُولُ وتُقْبِلُ وتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ فِي زَمانِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَلَمْ يَكونُوا يَرُشُّونَ شَيْئاً مِنْ ذلِكَ . هذا الذي ذكره البخاري معلقاً احتج به في طهارة الكلب ، وطهارة سؤره ، وجواز ممره في المسجد . بيان رجاله وهم ستة . الأول : أحمد بن شبيب ، بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة : ابن سعيد التميمي البصري ، شيخ البخاري ، ولم يخرج له غيره ، أصله من البصرة ، نزل مكة مات بعد المائتين ووالده ، أخرج له النسائي ، وهو صدوق . الثاني : أبوه شبيب المذكور ، وكان من أصحاب يونس ، وكان يختلف في التجارة إلى مصر ، وكتابه كتاب صحيح . الثالث : يونس بن يزيد الأيلي ، وقد تقدم . الرابع : ابن شهاب محمد بن مسلم الزهري تقدم . الخامس : حمزة ، بالحاء المهملة والزاي : ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، رضي الله تعالى عنهم ، أبو عمارة القرشي العدوي المدني التابعي ، ثقة قليل الحديث ، روى له الجماعة . السادس : أبوه عبد الله بن عمر .