العيني

44

عمدة القاري

بيان لطائف اسناده منها : أن فيه القول والتحديث والعنعنة . ومنها : أن رواته ما بين بصري وأيلي ومدني . ومنها : أن فيه رواية تابعي عن تابعي . بيان من أخرجه غيره أخرجه أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح ، قال : حدثنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني يونس عن ابن شهاب ، قال حدثني حمزة بن عبد الله بن عمر : ( كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكنت شاباً فتى عزباً ، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك ) . وأخرجه الإسماعيلي : حدثنا أبو يعلى حدثنا هارون بن معروف حدثنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب حدثني حمزة بلفظ : ( كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر ) . ورواه أبو نعيم عن أبي إسحاق بن محمد حدثنا موسى بن سعيد عن أحمد بن شبيب ، وقال : رواه البخاري بلا سماع . بيان المعنى والإعراب قوله : ( كانت الكلاب تقبل وتدبر ) وفي رواية أبي داود والإسماعيلي وأبي نعيم والبيهقي أيضا : ( كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر ) ، بزياد : تبول ، قبل : ( تقبل وتدبر ) . وستقف على معنى هذه الزيادة . قوله : ( تقبل ) جملة في محل النصب على الخبرية إن جعلت : كانت ، ناقصة . وإن جعلت تامة بمعنى : وجدت ، كان محل الجملة النصب على الحال . قوله : ( في المسجد ) حال أيضاً ، والتقدير : حال كون الإقبال والإدبار في المسجد ، والألف واللام فيه للعهد . اي : في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( فلم يكونوا يرشون ) من : رش الماء ، وحكى ابن التين عن الداودي أنه أبدل قوله : ( يرشون ) بلفظ : ( يرتقبون ) ، بإسكان الراء وفتح التاء المثناة من فوق وكسر القاف بعدها باء موحدة ، وفسر معناه بقوله : ( ولا يخشون ) فصحف اللفظ وأبعد في التفسير لأن معنى : الارتقاب : الانتظار . وأما نفي الخوف من نفي الارتقاب فهو تفسير ببعض لوازمه . قوله : ( من ذلك ) أي من المسجد ، وهو إشارة إلى البعيد في المرتبة ، أي : ذلك المسجد العظيم البعيد درجته عن فهم الناس . بيان استنباط الأحكام الأول : احتج به البخاري على طهارة بول الكلب ، كما ذكرنا عن قريب ، فإن هذا التركيب يشعر باستمرار الإقبال والإدبار ، ولفظ : في زمان رسول الله ، عليه الصلاة والسلام ، دال على عموم جميع الأزمنة ، إذ اسم الجنس المضاف من الألفاظ العامة . وفي : ( فلم يكونوا يرشون ) مبالغة ، ليس في قولك : فلم يرشوا به ، بدون لفظ : الكون ، كما في قوله تعالى : * ( وما كان الله ليعذبهم ) * ( الأنفال : 33 ) حيث لم يقل : وما يعذبهم الله ، وكذا في لفظ الرش حيث اختاره على لفظ الغسل ، لأن الرش ليس فيه جريان الماء ، بخلاف الغسل فإنه يشترط فيه الجريان ، فنفي الرش يكون أبلغ من نفي الغسل ، ولفظ : شيئاً ، أيضاً عام لأنه نكرة وقعت في سياق النفي ، وهذا كله للمبالغة في طهارة سؤره ، إذ في مثل هذه الصورة الغالب أن لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد ، فإذا قرر الرسول ، عليه الصلاة والسلام ، ذلك ولم يأمره بغسله قط علم أنه طاهر ، وهذا كله من ناصري البخاري : والجواب أن نقول : لا دلالة على ذلك ، والذي ذكروه إنما كان لأن طهارة المسجد متيقنة غير مشكوك فيها ، واليقين لا يرفع بالظن ، فضلاً عن الشك . وعلى تقدير دلالته فدلالته لا تعارض منطوق الحديث الناطق صريحاً بإيجاب الغسل حيث قال : ( فليغسله سبعا ) . وأما على رواية من روي : ( كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر ) ، فلا حجة فيه لمن استدل به على طهارة الكلاب للاتفاق على نجاسة بولها ، وتقرير هذا أن إقبالها وإدبارها في المسجد ثم لا يرش ، فالذي في روايته : تبول ، يذهب إلى طهارة بولها وكان المسجد لم يكن يغلق وكانت تتردد ، وعساها كانت تبول إلا أن علم بولها فيه لم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم ولا عند أصحابه ولا عند الراوي أي موضع هو ، ولو كان علم لأمر بما أمر في بول الأعرابي ، فدل ذلك أن بول ما سواه في حكم النجاسة سواء . وقال الخطابي : يتأول على أنها كانت لا تبول في المسجد بل في مواطنها وتقبل وتدبر في المسجد عابرة ، إذ لا يجوز أن تترك الكلاب تبات في المسجد حتى تمتهنه وتبول فيه ، وإنما كان إقبالها وإدبارها في أوقات نادرة ، ولم يكن على المسجد أبواب تمنع من عبورها فيه . قلت : إنما تأول الخطابي بهذا التأويل حتى لا يكون الحديث حجة للحنفية في قولهم ، لأن أصحابنا استدلوا به على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفت بالشمس أو بالهواء فذهب أثرها تطهر في حق الصلاة ، خلافاً للشافعي واحمد وزفرٍ ، والدليل على ذلك أن أبا داود وضع لهذا الحديث باب طهور الأرض إذا يبست ، وأيضا قوله : فلم يكونوا يرشون شيئاً ، إذ عدم الرش يدل على جفاف الأرض وطهارتها ، ومن أكبر موانع تأويله أن قوله : ( في المسجد ) ليس ظرفاً لقوله : ( وتقبل وتدبر ) وحده ، وإنما هو ظرف لقوله : تبول . وما بعده كلها ، فافهم .