العيني

272

عمدة القاري

كما تقرر هذا في موضعه . قوله : ( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ) إشارة إلى قوله تعالى : * ( فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ) * ( سورة البقرة : 282 ) فإن قلت : النكتة في تعبيره بهذه العبارة ولم يقل : أليس شهادة المرأتين مثل شهادة الرجل ؟ قلت : لأن في عبارته تلك تنصيصاً على النقص صريحاً . بخلاف ما ذكرت ، فإنه يدل عليه ضمناً فافهم ، فإنه دقيق فإن قلت : أليس ذلك ذماً لهن ؟ قلت : لا وإنما هو على معنى التعجب بأنهن مع اتصافهن بهذه الحالة يفعلن بالرجل الحازم كذا وكذا فإن قلت : هذا العموم فيهن يعارضه قوله صلى الله عليه وسلم : ( كمل من الرجال كثير ، ولم يكمل من النساء إلاَّ مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم ) وفي رواية أربع ، وهو ما رواه الترمذي ، وأحمد من حديث أنس : رضي الله تعالى عنه ، قال : ( قال النبي صلى الله عليه وسلم حسبك من نساء العالمين بأربع : مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم ) قلت : أجاب بعضهم بأن الإفراد خرج عن ذلك لأنه نادر قليل ، والجواب السديد في ذلك هو أن الحكم على الكل بشيء لا يستلزم الحكم على كل فرد من أفراده بذلك الشيء وقال النووي : ونقص الدين قد يكون على وجه يأثم به ، كمن ترك الصلاة بلا عذر ، وقد يكون على وجه لا يأثم له ، كمن ترك الجمعة بعذر ، وقد يكون على وجه هو مكلف به كترك الحائض الصلاة والصوم . فإن قيل : فإذا كانت معذورة ، فهل تثاب على ترك الصلاة في زمن الحيض ؟ وإن كانت لا تقضيها كما يثاب المريض ، ويكتب له في مرضه مثل نوافل الصلوات التي كان يفعلها في صحته . والجواب أن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب ، والفرق أن المريض كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته لها ، والحائض ليست كذلك ، بل نيتها ترك الصلاة في زمن الحيض ، وكيف لا وهي حرام عليها ؟ قلت : ينبغي أن يثاب على ترك الحرام . قوله : ( فذلك ) إشارة إلى ما ذكر من . قوله : ( أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل ) . قوله : ( فذلك ) بكسر الكاف ، خطاباً للواحدة التي تولت الخطاب ، ويجوز فتح الكاف على أنه للخطاب العام . بيان استنباط الأحكام وهو على وجوه : الأول : فيه استحباب خروج الإمام مع القوم إلى مصلى العيد في الجبانة لأجل صلاة العيد ، ولم يزل الصدر الأول كانوا يفعلون ذلك ، ثم تركه أكثرهم لكثرة الجوامع ، ومع هذا فإن أهل بلاد شتى لم يتركوا ذلك . الثاني : فيه الحث على الصدقة لأنها من أفعال الخيرات والميراث فإن الحسنات يذهبن السيئات ، ولا سيما في مثل يوم العيدين لاجتماع الأغنياء والفقراء ، وتحسر الفقراء عند رؤيتهم الأغنياء وعليهم الثياب الفاخرة ، ولا سيما الأيتام الفقراء والأرامل الفقيرات ، فإن الصدقة عليهم في مثل هذا اليوم مما يقل تحسرهم وهمهم ، وإما تخصيصه ، صلى الله عليه وسلم النساء في ذلك اليوم ، حيث أمرهن بالصدقة فلغلبة البخل عليهن ، وقلة معرفتهن بثواب الصدقة وما يترتب عليها من الحسن والفضل في الدنيا قبل يوم الآخرة . الثالث : فيه جواز خروج النساء أيام العيد إلى المصلى للصلاة مع الناس . وقالت العلماء : كان هذا في زمنه صلى الله عليه وسلم ، وأما اليوم فلا تخرج الشابة ذات الهيئة ، ولهذا قالت عائشة ، رضي الله تعالى عنها لو رأى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء بعده لمنعهن المساجد ، كما منعت نساء بني إسرائيل . قلت : هذا الكلام من عائشة بعذر من يسير جداً بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما اليوم فنعوذ بالله من ذلك ، فلا يرخص في خروجهن مطلقاً للعيد وغيره ، ولا سيما نساء مصر ، على ما لا يخفى . وفي ( التوضيح ) رأى جماعة ذلك حقاً عليهن ، يعني : في خروجهن للعيد منهم : أبو بكر وعلي وابن عمر وغيرهم ، ومنهم من منعن ذلك ، منهم : عروة والقاسم ويحيى بن سعيد الأنصاري ومالك وأبو يوسف ، وأجازه أبو حنيفة مرة ومنعه أخرى ، ومنع بعضهم في الشابة دون غيرها ، وهو مذهب مالك وأبي يوسف ، وقال الطحاوي : كان الأمر بخروجهن أول الإسلام لتكثير المسلمين في أعين العدو . قلت : كان ذلك لوجود الأمن أيضاً ، واليوم قلَّ الأمنُ ، والمسلمون كثير ، ومذهب أصحابنا في هذا الباب ما ذكره صاحب ( البدائع ) أجمعوا على أنه لا يرخص للشابة الخروج في العيدين والجمعة وشئ من الصلوات ، لقوله تعالى : * ( وقرون في بيوتكم ) * ( سورة الأحزاب : 33 ) ولأن خروجهن سبب للفتنة وأما العجائز فيرخص لهن الخروج في العيدين ، ولا خلاف أن الأفضل أن لا يخرجن في صلاة ما ، فإذا خرجن يصلين صلاة العيد ، في رواية الحسن عن أبي حنيفة ، وفي رواية أبي يوسف عنه ، لا يصلين ، بل يكثرن سواد المسلمين وينتفعن بدعائهم ، وفي حديث أم عطية ، قالت : [ حم ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج العواتق ذوات الخدور والحيض