العيني

243

عمدة القاري

فالمعنى : أيجوز الرقود لا حدنا ؟ قوله : ( وهو جنب ) جملة حالية . قوله : ( إذا توضأ ) ظرف محص . لقوله : ( فليرقد ) والمعنى : إذا أراد أحدكم الرقاد قليرقد بعد التوضأ وقال الكرماني : ويجوز أن يكون ظرفاً متضمناً للشرط ثم قال : الشرط سبب ، فما المسبب الرقود أم الأمر بالرقود ثم أجاب بأنه يحتمل الأمرين مجازاً لا حقيقة كأن التوضي مسبب لجواز الرقود أو لأمر الشارع به . ثم قال : فإن قلت : الرقود ليس واجباً ولا مندوباً ، فما معنى الأمر ؟ قلت : الإباحة بقرينة الإجماع على عدم الوجوب والندب . انتهى . قلت : هذا كلام مدمج وفيه تفصيل وخلاف ، فنقول : وبالله التوفيق ، ذهب الثوري والحسن بن حي وابن المسيب وأبو يوسف إلى أنه لا بأس للجنب أن ينام من غير أن يتوضأ ، واحتجوا في ذلك بما رواه الترمذي ، حدثنا هناد ، قال : حدثنا أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم ، ينام وهو جنب ولا يمس ماء ) ورواه ابن ماجة : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن الأسود عن عائشة قالت : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إن كانت له إلى أهله حاجة قضاها ثم ينام كهيئة لا يمس ماء ) وأخرجه أحمد كذلك ، وأخرجه الطحاوي من سبعة طرق . منها : ما رواه عن ابن أبي داود عن مسدد قال : حدثنا أبو الأحوص ، قال : حدثنا أبو إسحاق عن الأسود عن عائشة . قالت : [ حم ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا رجع من المسجد صلى ما شاء الله ثم مال إلى فراشه وإلى أهله فإن كانت له حاجة قضاها ثم نام كهيئته ولا يمس طيباً ) [ / حم وأرادت بالطيب الماء ، كما وقع في الرواية الأخرى ، ولا يمس ماء ، وذلك أن الماء يطلق عليه الطيب كما ورد في الحديث فإن الماء طيب لأنه يطيب ويطهر ، وأي طيب أقوى فعلاً في التطهير من الماء ؟ وذهب الأوزاعي والليث وأبو حنيفة ومحمد والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق وابن المبارك وآخرون إلى أنه ينبغي للجنب أن يتوضأ للصلاة قبل أن ينام ، ولكنهم اختلفوا في صفة هذا الوضوء وحكمه فقال أحمد : يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أو يطأ ثانياً أو يأكل أن يغسل فرجه ويتوضأ روى ذلك عن علي وعبد الله بن عمر ، وقال سعيد بن المسيب : إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه ويتمضمض وحكى نحوه عن أحمد وإسحاق ، وقال مجاهد : يغسل كفيه . وقال مالك : يغسل يديه إن كان أصابهما أذى . وقال [ قعأبو عمر [ / قع في ( التمهيد ) وقد اختلف العلماء في إيجاب الوضوء عند النوم على الجنب ، فذهب أكثر الفقهاء إلى أن ذلك على الندب والاستحباب لا على الوجوب . وذهبت طائفة إلى أن الوضوء المأمور به الجنب هو غسل الأذى منه وغسل ذكره ويديه ، وهو التنظيف ، وذلك عند العرب يسمى ، وضوأً . قالوا : وقد كان ابن عمر لا يتوضأ عند النوم الوضوء الكامل ، وهو روى الحديث وعلم مخرجه ، وقال [ قعمالك [ / قع : لا ينام الجنب حتى يتوضأ وضوءه للصلاة ، قال : وله أن يعاود أهله ويأكل قبل أن يتوضأ ؛ إلا أن يكون في يديه قذر فيغسلهما ، قال : والحائض تنام قبل أن تتوضأ . وقال الشافعي ، في هذا كله نحو قول مالك ، وقال [ قعأبو حنيفة والثوري [ / قع : لا بأس أن ينام الجنب على غير وضوء ، وأحب إلينا أن يتوضأ ، قالوا : فإذا أراد أن يأكل تمضمض وغسل يديه ، وهو قول الحسن ابن حي . وقال الأزاعي : الحائض والجنب أراد أن يطعما غسلاً أيديهما . وقال [ قعالليث بن سعد [ / قع : لا ينام الجنب حتى يتوضأ رجلاً كان أو امرأة . انتهى . وقال [ قعالقاضي عياض [ / قع : ظاهر مذهب مالك أنه ليس بواجب ، وإنما هو مرغب فيه ، وابن حبيب يرى وجوبه ، وهو مذهب داود ، وقال [ قعابن حزم [ / قع في ( المحلى ) ويستحب الوضوء للجنب إذا أراد الأكل أو النوم ولرد السلام ولذكر الله ، وليس ذلك بواجب . قلت : قد خالف ابن حزم داود في هذا الحكم وقال [ قعابن العربي [ / قع : قال مالك والشافعي لا يجوز للجنب أن ينام قبل أن يتوضأ . وقال بعضهم : أنكر بعض المتأخرين هذا النقل ، وقال : لم يقل الشافعي بوجوبه ، ولا يعرف ذلك أصحابه ، وهو كما قال ، لكن كلام ابن العربي محمول على أنه أراد نفي الإباحة المستوية الطرفين ، لا إثبات الوجوب ، أو أراد بأنه واجب وجوب سنة أي : متأكد الاستحباب ، ويدل عليه أنه قابله بقول ابن حبيب : هو واجب وجوب الفرائض . انتهى . قلت : إنكار المتأخرين هذا الذي نقل عن الشافعي إنكار مجرد فلا يقاوم الإثبات ، وعدم معرفة أصحابه ذلك لا يستلزم عدم قول الشافعي بذلك ، وأبعد من هذا قول هذا القائل ، وهو كما قال : فكيف يقول بهذا وقد بينا فساده ، وأبعد من هذا كله حمل هذا القائل كلام ابن العربي على ما ذكره ، يعرف ذلك من يدقق نظره فيه . ثم اعلم أن الطحاوي أجاب عن حديث عائشة المذكور ، فقال : وقالوا هذا الحديث غلط لأنه حديث مختصر ، اختصره