العيني
244
عمدة القاري
أبو إسحاق من حديث طويل فأخطأ في اختصاره إياه ، وذلك أن بهزاً حدثنا قال : أخبرنا أبو غسان ، قال أخبرنا زهير ، قال : حدثنا أبو إسحاق قال : أتيت الأسود بن يزيد ، وكان لي أخاً وصديقاً فقلت له : يا أبا عمر حدثني ما حدثتك عائشة أم المؤمنين عن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( قالت عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم ينام أول الليل ويحيي آخره ، ثم إن كانت له حاجة قضى حاجته ، ثم ينام قبل أن يمس ماء ، فإذا كان عند النداء الأول وثب ، وما قالت : قام ، فأفاض عليه الماء ، وما قالت : اغتسل ، وأنا أعلم ما تريد ، وإن نام جنباً توضأ وضوء الرجل للصلاة ) فهذا الأسود بن زيد قد بان في حديثه لما ذكر بطوله أنه كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة ، وأما قولها : فإن كانت له حاجة قضاها ثم نام قبل أن يمس ماء ، فيحتمل أن يكون ذلك محمولاً على الماء الذي يغتسل به ، لا على الوضوء ، وقال أبو داود : حدثنا الحسين الواسطي ، سمعت يزيد بن هارون يقول : هذا الحديث وهم ، يعني حديث أبي إسحاق . وفي رواية عنه : ليس بصحيح ، وقال المهني : سألت أبا عبد الله عنه فقال : ليس بصحيح قلت : لم قال : لأن شعبة روى عن الحاكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة : [ حم ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة ) [ / حم قلت : من قبل من جاء هذا الاختلاف ؟ قال : من قبل أبي إسحاق ، قال : وسألت أحمد بن صالح عن هذا الحديث ، فقال : لا يحل أن يروى . وقال الترمذي وأبو علي الطوسي ، روى غير واحد عن الأسود عن عائشة : ( أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ قبل أن ينام وهو جنب ، يتوضأ وضوءه للصلاة ) وهذا أصح من حديث أبي إسحاق قال : وكانوا يرون أن هذا غلط من أبي إسحاق ، وقال ابن ماجة ، عقيب روايته هذا الحديث قال سفيان : ذكرت الحديث يعني هذا ، يوماً ، فقال لي إسماعيل : شد هذا الحديث ياقتي بشيء . وتصدى جماعة لتصحيح هذا الحديث . منهم الدارقطني : فإنه قال : يشبه أن يكون الخبران صحيحين ، لأن عائشة قالت : ربما قدم الغسل ، وربما أخره ، وكما حكى ذلك غضيف وعبد الله بن أبي قيس وغيرهما عن عائشة ، وأن الأسود حفظ ذلك عنها . فحفظ أبو إسحاق عنه تأخير الوضوء والغسل ، وحفظ إبراهيم وعبد الرحمن تقديم الوضوء على الغسل . ومنهم البيهقي : وملخص كلامه أن حديث أبي إسحاق صحيح من جهة الرواية ، وذلك أنه بين فيه سماعه من الأسود في رواية زهير عنه ، والمدلس إذا بين سماعه ممن روى عنه ، وكان ثقة ، فلا وجه لرده ، ووجه الجمع بين الروايتين على وجه يحتمل ، وقدجمع بينهما أبو العباس ابن شريح فأحسن الجمع ، وسئل عنه وعن حديث عمر : [ حم ( أينام أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم ، إذا توضأ ) [ / حم وقال الحكم لهما جميعاً أما حديث عائشة فإنما أرادت أنه كان لا يمس ماء للغسل . وأما حديث عمر : ( أينام أحدنا وهو جنب ؟ قال : نعم إذا توضأ أحدكم فليرقد ) . فمفسره ذكر فيه الوضوء وبه ، نأخذ . ومنهم ابن قتيبة . فإنه قال : يمكن أن يكون الأمران جميعاٌ وقعاد فالفعل لبيان الاستحباب ، والترك لبيان الجواز ، ومع هذا قالوا : إنا وجدنا لحديث أبي إسحاق شواهد ومتابعين ، فممن تابعه عطاء والقاسم وكريب والسوائي فيما ذكره أبو إسحاق الجرمي في كتاب ( العلل ) قال : وأحسن الوجوه في ذلك أن صح حديث أبي إسحاق فينا رواه ووافقه هؤلاء أن تكون عائشة أخبرت الأسود أنه كان ربما توضأ ، وربما أخر الوضوء والغسل حتى يصبح ، فأخبر الأسود إبراهيم أنه كان يتوضأ وأخبر أبا إسحاق أنه كان يؤخر الغسل ، وهذا أحسن وأوجه . فإن قلت : قد روي عن عائشة ما يضاد ما روي عنها أولاً ، وهو أن الطحاوي روى من حديث الزهري عن عروة عن عائشة . قالت : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يأكل وهو جنب غسل كفيه ) وروي عنها : ( أنه كان يتوضأ وضوءه للصلاة ) . قلت : أجاب الطحاوي عن هذا بأنها لما أخبرت بغسل الكفين ، بعد أن كانت علمت بأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء التام ، دل ذلك على ثبوت النسخ عندها ، وقال بعضهم : جنح الطحاوي إلى أن المراد بالوضوء التنظيف ، واحتج بأن ابن عمر راوي الحديث وهو صاحب القصة . كان يتوضأ وهو جنب لا يغسل رجليه ، كما رواه مالك في ( الموطأ ) عن نافع وأجيب بأنه ثبت تقييد الوضوء بالصلاة في رواية عائشة فيعتمد عليها ويحمل ترك ابن عمر غسل رجليه ، على أن ذلك كان لعذر . قلت : هذا القائل ما أدرك كلام الطحاوي ولا ذاق معناه ، فإنه قائل بورود هذه الرواية عن عائشة ، ولكنه حمله على النسخ كما ذكرناه ، وكذلك ما روي عن ابن عمر حمله على النسخ لأن فعله هذا بعد علمه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء التام للجنب يدل على