العيني

156

عمدة القاري

الخصوصية بلا دليل لا تسمع ، والجواب القاطع أن هذا محمول على حالة الاختيار كما ذكرنا . فان قلت : روي عن ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما : ( كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد فلم يكونوا يرشون شيئاً ) ، وروي عن جابر والبراء ، رضي الله تعالى عنهما ، مرفوعا : ( ما أكل لحمه فلا بأس ببوله ) . وحديث ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، الآتي ذكره في باب : إذا القى على ظهر المصلي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته ، والحديث الصحيح الذي ورد في غزوة تبوك : ( فكان الرجل ينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده ) . قلت : أما حديث ابن عمر ، رضي الله تعالى عنهما ، فغير مسند ، لأنه ليس فيه أنه ، عليه الصلاة والسلام ، علم بذلك . وأما حديث جابر والبراء فرواه الدارقطني وضعفه . وأما حديث ابن مسعود فلأنه كان بمكة قيل ورود الحكم بتحريم النجو والدم ، وقال ابن حزم : هو منسوخ بلا شك . وأما حديث غزوة تبوك فقد قيل : إنه كان للتداوي ، وقال ابن خزيمة : لو كان الفرث إذا عصره نجساً لم يجز للمرء أن يجعله على كبده . السؤال الثاني : ما وجه تعذيبهم بالنار وهو تسمير أعينهم بمسامير محمية ، كما ذكرنا ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التعذيب بالنار ؟ الجواب : أنه كان قبل نزول الحدود ، وآية المحاربة والنهي عن المثلة ، فهو منسوخ . وقيل : ليس بمنسوخ ، وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بما فعل قصاصاً لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك . وقد رواه مسلم في بعض طرقه ، ولم يذكره البخاري . قال المهلب : إنما لم يذكره لأنه ليس من شرطه . ويقال : فلذلك بوب البخاري في كتابه ، وقال : باب إذا حرق المشرك هل يحرق ؟ ووجهه أنه صلى الله عليه وسلم لما سمل أعينهم ، وهو تحريق بالنار ، استدل به أنه لما جاز تحريق أعينهم بالنار ، ولو كانوا لم يحرقوا أعين الرعاء ، أنه أولى بالجواز بتحريق المشرك إذا أحرق المسلم . وقال ابن المنير : وكان البخاري جمع بين حديث : ( لا تعذبوا بعذاب الله ) ، وبين هذا ، بحمل الأول على غير سبب ، والثاني على مقابلة السيئة بمثلها من الجهة العامة ، وإن لم يكن من نوعها الخاص ، وإلاَّ فما في هذا الحديث أن العرنيين فعلوا ذلك بالرعاة . وقيل : النهي عن المثلة نهي تنزيه لا نهي تحريم . السؤال الثالث : إن الإجماع قام على أن من وجب عليه القتل فاستسقى الماء إنه لا يمنع منه لئلا يجتمع عليه عذابان ؟ الجواب : أنه إنما لم يسقوا هناك معاقبة لجنايتهم ، لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، دعا عليهم ، فقال : عطَّش الله من عطَّش آل محمد الليلة . أخرجه النسائي : فأجاب الله دعاءه ، وكان ذلك بسبب أنهم منعوا في تلك الليلة إرسال ما جرت به العادة من اللبن الذي كان يراح به النبي صلى الله عليه وسلم من لقاحه في كل ليلة ، كما ذكره ابن سعد ، ولأنهم ارتدوا فلا حرمة لهم . وقال القاضي عياض : لم يقع نهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن سقيهم وفيه نظر لأنه ، صلى الله عليه وسلم ، اطلع على ذلك ، وسكوته كافٍ في ثبوت الحكم . وقال النووي : المحارب لا حرمة له في سقي الماء ولا في غيره ، ويدل عليه أن من ليس معه ماء إلاَّ لطهارته ليس له أن يسقيه المرتد ويتيمم ، بل يستعمله ولو مات المرتد عطشاً . وقال الخطابي : إنما فعل بهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لأنه أراد بهم الموت بذلك ، وفيه نظر لا يخفى ، وقيل : إن الحكمة في تعطيشهم لكونهم كفروا بنعمة سقي ألبان الإبل التي حصل لهم بها الشفاء من الجزع والوخم ، وفيه ضعف . قالَ أبُو قِلاَبَةَ فَهَؤُلاءِ سَرَقُوا وقتَلُوا وَكَفَرُوا بَعد إيمانِهِمْ وَحارَبُوا الله وَرَسُولَهُ . أبو قلابة : عبد الله ، وقوله هذا إن كان داخلاً في قول أيوب بأن يكون مقولاً له يكون داخلاً تحت الإسناد ، وإن كان مقول البخاري يكون تعليقاً منه . وقال بعضهم : وهذا قاله أبو قلابة استنباطاً ، ثم قال : وليس موقوفاً على أبي قلابة كما توهمه بعضهم . قلت : كلامه متناقض لا يخفى . قوله : ( سرقوا ) إنما أطلق عليهم سراقاً لأن أخذهم اللقاح سرقة لكونه من حرز بالحافظ . قوله : ( وحاربوا الله ورسوله ) وأطلق عليهم محاربين لما ثبت عند أحمد من رواية حميد عن أنس ، رضي الله تعالى عنه ، في أصل الحديث ، وهربوا محاربين . 234 حدّثنا آدَمُ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قال أخبرنا أبُو النَّيَّاحِ يَزِيدُ بنُ حُمَيْدٍ أَنَسٍ قالَ كانَ النبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي قَبْلَ أنْ يُبْنَى المَسْجِدُ في مَرَابِض الغَنَمِ . . هذا أحد حديثي الباب ، وهو مطابق لآخر الترجمة . بيان رجاله وهم أربعة : آدم بن أبي اياس ، وشعبة بن