العيني

144

عمدة القاري

صلى الله عليه وسلم علل نقض الطهارة بخروج الدم من العرق ، وكل دم يبرز من البدن فإنما يبرز من عرق ، لأن العروق هي مجاري الدم من الجسد . وقال الخطابي : وليس معنى الحديث ما ذهب إليه هؤلاء ، ولا مراد الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك ما توهموه ، وإنما أراد أن هذه العلة إنما حدثت بها من تصدع العرق ، وتصدع العرق علة معروفة عند الأطباء يحدث ذلك عند غلبة الدم فتتصدع العروق إذا امتلأت تلك الأوعية . قلت : ليس معنى الحديث ما ذهب إليه الخطابي ، لأنه قيد إطلاق الحديث وخصص عمومه من غير مخصص ، وهو ترجيح بلا مرجح وهو باطل . السابع : قوله : ( لكل صلاة ) فيه خلاف بين الشافعية والحنفية ، وهو أن المستحاضة ومن بمعناها من أصحاب الأعذار هل يتوضؤون لكل صلاة ، أو لكل وقت صلاة ، وهو مذكور في كتب الفقه . 64 ( ( بابُ غسْلِ المَنِيِّ وفَرْكِهِ وغَسْل ما يُصِيبُ مِنَ المَرْأَةِ ) ) أي : هذا باب في بيان حكم غسل المني عند كونه رطباً ، وبيان حكم فركه عند كونه يابساً ، والفرك هو الدلك حتى يذهب أثره . والمني ، بتشديد الياء ؛ ماء خاثر أبيض يتولد منه الولد ، وينكسر به الذكر ، ورائحته رائحة الطلع . قوله : ( وغسل ما يصيب ) أي : وفي بيان غسل ما يصيب الثوب أو الجسد من المرأة عند مخالطته إياها . وهذه الترجمة مشتملة على ثلاثة أحكام ، ولم يذكر في هذا الباب إلاَّ حكم غسل المني ، وذكر الحكم الثالث في أواخر كتاب الغسل من حديث عثمان ، رضي الله تعالى عنه ، وقال بعضهم : لم يخرج البخاري حديث الفرك ، بل اكتفى بالإشارة إليه في الترجمة على عادته ، لأنه ورد من حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، أيضاً . قلت : هذا اعتذار بارد ، لأن الطريقة أنه إذا ترجم الباب بشيء ينبغي أن يذكره ، وقوله : بل أكتفي بالإشارة إليه كلام واهٍ ، لأن المقصود من الترجمة معرفة حديثها ، وإلاَّ فمجرد ذكر الترجمة لا يفيد شيئاً ، والحديث الذي في هذا الباب لا يدل على الفرك ، ولا على غسل ما يصيب من المرأة ، واعتذر الكرماني عنه بقوله : واكتفى بإيراد بعض الحديث ، وكثيراً يقول مثل ذلك ، أو كان في قصده أن يضيف إليه ما يتعلق به ولم يتفق له ، أو لم يجد رواته بشرطه . قلت : كل هذا لا يجدي ، ولكن حبك للشيء يعمي ويصم ، ثم إن بعضهم ذكر في أول هذا الباب كلاماً لا يذكره من له بصيرة وروية ، وفيه رد لما ذهب إليه الحنفية ، ومع هذا أخذ كلامه هذا من كلام الخطابي مع تغيير ، وهو أنه قال : وليس بين حديث الغسل وحديث الفرك تعارض ، لأن الجمع بينهما واضح على القول بطهارة المني ، بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب ، وهذه طريقة الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث ، وكذا الجمع ممكن على القول بنجاسته بأن يحمل الغسل على ما كان رطباً ، والفرك على ما كان يابساً ، وهذه طريقة ، والطريقة الأولى أرجح ، لأن فيها العمل بالخبر والقياس معاً ، لأنه لو كان نجساً لكان القياس وجوب غسله دون الاكتفاء بفركه كالدم وغيره ، وهم لا يكتفون فيما لا يعفى عنه من الدم بالفرك . قلت : من هو الذي ادعى تعارضاً بين الحديثين المذكورين حتى يحتاج إلى التوفيق ، ولا نسلم التعارض بينهما أصلاً ، بل حديث الغسل يدل على نجاسة المني بدلالة غسله ، وكان هذا هو القياس أيضاً في يابسه ، ولكن خص بحديث الفرك ، وقوله بأن يحمل الغسل على الاستحباب للتنظيف لا على الوجوب كلام واه ، وهو كلام من لا يدري مراتب الأمر الوارد من الشرع ، فأعلى مراتب الأمر الوجوب وأدناها الإباحة ، وهنا لا وجه للثاني ، لأنه ، عليهم الصلاة والسلام ، لم يتركه على ثوبه أبداً ، وكذلك الصحابة من بعده ، ومواظبته صلى الله عليه وسلم على فعل شيء من غير ترك في الجملة يدل على الوجوب بلا نزاع فيه ، وأيضا الأصل في الكلام الكمال ، فإذا أطلق اللفظ ينصرف إلى الكامل ، اللهم إلاَّ أن ينصرف ذلك بقرينة تقوم فتدل عليه حينئذ ، وهو فحوى كلام أهل الأصول إن الأمر المطلق أي : المجرد عن القرائن ، يدل على الوجوب . ثم قوله : والطريقة الأولى أرجح . . . الخ غير راجح ، فضلاً أن يكون أرجح بل هو غير صحيح ، لأنه قال فيها : العمل بالخبر ، وليس كذلك ، لأن من يقول بطهرة المني يكون غير عامل بالخبر ، لأن الخبر يدل على نجاسته ، كما قلنا ، وكذلك قوله فيها : العمل بالقياس غير صحيح ، لأن القياس وجوب غسله مطلقاً ، ولكن خص بحديث الفرك لما ذكرنا . فان قلت : ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه كالمخاط . قلت : لا نسلم أن القياس صحيح ، لأن المخاط لا يتعلق بخروجه حدث ما أصلاً ، والمنى موجب لأكبر الحدثين ، وهو الجنابة . فان قلت : سقوط الغسل في يابسه يدل