العيني

145

عمدة القاري

على الطهارة . قلت : لا نسلم ذلك كما في موضع الاستنجاء . قوله : كالدم وغيره . . . إلى آخره ، قياس فاسد ، لأنه لم يأت نص بجواز الفرك في الدم ونحوه ، وإنما جاء في يابس المني على خلاف القياس ، فيقتصر على مورد النص . فإن قلت : قال الله تعالى : * ( وهو الذي خلق من الماء بشرا ) * ( الفرقان : 54 ) سماه : ماء ، وهو في الحقيقة ليس بماء ، فدل على أنه أراد به التشبيه في الحكم ، ومن حكم الماء أن يكون طاهراً . قلت : أن تسميته : ماء ، لا تدل على طهارته ، فإن الله تعالى سمى مني الدواب : ماء ، بقوله : * ( والله خلق كل دابة من ماء ) * ( النور : 45 ) فلا يدل ذلك على طهارة ماء الحيوان . فان قلت : إنه أصل الأنبياء والأولياء ، فيجب أن يكون طاهراً . قلت : هو أصل الأعداء أيضاً : كنمرود وفرعون وهامان وغيرهم ، على أنا نقول : العلقة أقرب إلى الإنسان المني ، وهو أيضاً أصل الأنبياء ، عليه الصلاة والسلام ، ومع هذا لا يقال : إنها طاهرة . وقال هذا القائل أيضاً : وترد الطريقة الثانية أيضاً ما في رواية ابن خزيمة من طريق أخرى عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، كان يسلت المني من ثوبه بعرق الإذخر ثم يصلي فيه وتحته من ثوبه يابساً ، ثم يصلي فيه ، فإنه يتضمن ترك الغسل في الحالتين . قلت : رد الطريقة الثانية بهذا غير صحيح ، وليس فيه دليل على طهارته ، وقد يجوز أن يكون كان ، عليه الصلاة والسلام ، يفعل بذلك فيطهر الثوب ، والحال أن المني في نفسه نجس ، كما قد روي فيما أصاب النعل من الأذى ، وهو ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة ، رضي الله تعالى عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا وطئ الأذى بخفيه فطهورهما التراب ) . ورواه الطحاوي أيضا ، ولفظه : ( إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه أو نعله فطهورهما التراب ) . وقال الطحاوي : فكان ذلك التراب يجزئ من غسلهما ، وليس في ذلك دليل على طهارة الأذى في نفسه ، فكذلك ما روي في المني . فان قلت : في سنده محمد بن كثير الصنعاني ، وقد تكلموا فيه . قلت : وثقه ابن حبان وروى حديثه في ( صحيحه ) . وأخرجه الحاكم في ( مستدركه ) وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه . وقال النووي : في ( الخلاصة ) : ورواه أبو داود بإسناد صحيح ، ولا يلتفت إلى قول ابن القطان : وهذا حديث رواه أبو داود من طريق لا يظن بها الصحة . ورواه أبو داود أيضاً من حديث عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، بمعناه ، وروي أيضاً نحوه من حديث أبي سعيد الخدري ، رضي الله تعالى عنه . وأخرجه ابن حبان أيضاً . والمراد من الأذى : النجاسة . وقال هذا القائل أيضاً : وأما مالك فلم يعرف الفرك ، والعمل عندهم على وجوب الغسل كسائر النجاسات . قلت : لا يلزم من عدم معرفة الفرك أن يكون المني طاهراً عنده ، فإن عنده المني نجس كما هو عندنا ، وذكر في ( الجواهر ) للمالكية : المني نجس وأصله دم ، وهو يمر في ممر البول ، فاختلف في سبب التنجيس : هل هو رده إلى أصله ، أو مروره في مجرى البول ؟ وقال هذا القائل أيضاً : وقال بعضهم : الثوب الذي اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم ، والثوب الذي غسلته ثوب الصلاة ، وهو مردود أيضاً بما في إحدى روايات مسلم من حديثها أيضا : ( لقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركاً ، فيصلي فيه ) . وهذا التعقيب : بالفاء ، ينفي احتمال تخلل الغسل بين الفرك والصلاة ؛ وأصرح منه . رواية ابن خزيمة أنها كانت تحكه من ثوبه وهو يصلي . قلت : أراد بقوله : وقال بعضهم ، الحافظ أبا جعفر الطحاوي ، فإنه قال في ( معاني الآثار ) : حدثنا ابن مرزوق ، قال : حدثنا بشر بن عمر ، قال : حدثنا شعبة عن الحكم عن همام بن الحارث أنه كان نازلاً على عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، فاحتلم ، فرأته جارية لعائشة وهو يغسل أثر الجنابة من ثوبه ، أو يغسل ثوبه ، فأخبرت بذلك عائشة ، فقالت عائشة : لقد رأيتني ، وما أزيد على أن أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأخرج الطحاوي هذا من أربعة عشر طريقاً . وأخرجه مسلم أيضاً ، ثم قال : فذهب ذاهبون إلى أن المني طاهر ، وأنه لا يفسد الماء ، وإن وقع فيه وإن حكمه في ذلك حكم النخامة ، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار . وأراد بهؤلاء الذاهبين : الشافعي وأحمد وإسحاق وداود ، ثم قال : وخالفهم في ذلك آخرون ، فقالوا : بل هو نجس . وأراد بالآخرين : الأوزاعي والثوري وأبا حنيفة وأصحابه ومالكاً والليث بن سعد والحسن بن حي ، وهو رواية عن أحمد ، ثم قال الطحاوي : وقالوا لا حجة لكم في هذه الآثار لأنها إنما جاءت في ذكر ثياب ينام فيها ، ولم يأت في ثياب يصلي فيها ، وقد رأينا أن الثياب النجسة بالغائط والبول والدم لا بأس بالنوم فيها ، ولا تجوز الصلاة فيها ، فقد يجوز أن يكون المني كذلك ، وإنما يكون هذا الحديث حجة علينا ولو كنا نقول : لا يصلح النوم في الثوب النجس ، فأما إذا كنا نبيح ذلك ونوافق ما رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ، ونقول من بعد : لا يصلح الصلاة في ذلك ، فلم نخالف شيئاً مما روي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد جاءت عن عائشة فيما كانت تفعل بثوب رسول الله