العيني
92
عمدة القاري
عالماً . وقال البيهقي : السميع من له سمع يدرك به المسموعات ، والبصير من له بصر يدرك به المرئيات ، قيل : كيف يتصور السمع له وهو عبارة عن وصول الهواء المتموج إلى العصب المفروش في مقعر الصماخ ؟ وأجيب : بأنه ليس السمع ذلك بل هو حالة يخلقها الله في الحي ، نعم جرت سنة الله تعالى أنه لا يخلقه عادة إلاَّ عند وصول الهواء إليه ، ولا ملازمة عقلاً بينهما ، والله تعالى يسمع المسموع بدون هذه الوسائط العادية . كما أنه يرى بدون المواجهة والمقابلة وخروج الشعاع ونحوه من الأمور التي لا يحصل الإبصار عادة إلاَّ بها . وقال الأعْمَشُ : عَنْ تَميمٍ عنْ عُرْوَةَ عنْ عائِشَةَ قالَتِ : الحَمْدُ لله الّذِي وَسِعَ سَمْعُهُ الأصْواتَ ، فأنْزلَ الله تعالى عَلى النبيِّ * ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى 1764 ; إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) * أي : وقال سليمان الأعمش عن تميم بن سلمة الكوفي التابعي عن عروة بن الزبير عن عائشة ، رضي الله تعالى عنها ، قالت : . . . إلى آخره ، ووصل هذا التعليق أحمد والنسائي باللفظ المذكور هنا ، وأخرجه ابن ماجة من رواية أبي عبيدة بن معن عن الأعمش بلفظ : تبارك الذي وسع سمعه كل شي ، إني أسمع كلام خولة ، ويخفى علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله وهي تقول : أكل شبابي ونثرت له بطني حتى إذا كبرت سني وانقطع ولدي ظاهر مني ، اللهم إني أشكوا إليك ، فما برحت حتى نزل جبريل ، عليه السلام ، بهؤلاء الآيات : * ( قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُجَادِلُكَ فِى زَوْجِهَا وَتَشْتَكِى 1764 ; إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) * انتهى . ومعنى قول عائشة أوعى : وسع سمعه الأصوات ، لا أنه اتسع صوته لها ، لأن الموصوف بالسعة لا يصح وصفه بالضيق بدلاً منه ، والوصفان جميعاً من صفات الأجسام فيستحيل هذا في حق الله فوجب صرف قولها عن ظاهره إلى ما اقتضاه صحة الدليل . 7386 حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْب ، حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ ، عنْ أيُّوبَ ، عنْ أبي عُثْمانَ ، عنْ أبي مُوساى قال : كُنَّا مَعَ النَّبيِّ في سَفَرٍ ، فَكنَّا إذا عَلَوْنا كَبَّرْنا ، فقال : أرْبَعُوا على أنْفُسِكُمْ فإنَّكُمْ لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائِباً ، تَدْعُونَ سَمِيعاً بَصِيراً قَرِيباً ثُمَّ أتَى عَليَّ ، وأنا أقُولُ في نَفْسِي : لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بِالله ، فقال لي : يا عَبْدَ الله بنَ قَيْسٍ قُلْ : لا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلاَّ بِالله ، فإنّها كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ أوْ قال : ألا أدُلُّكَ بِهِ ؟ ا مطابقته للترجمة في قوله : تدعون سميعاً بصيراً وأيوب هو السختياني ، وأبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي بفتح النون ، وأبو موسى الأشعري واسمه عبد الله بن قيس . والحديث مضى في كتاب الدعوات في : باب الدعاء إذا علا عقبة ، وأخرجه هناك بعين هذا الإسناد عن سليمان بن حرب إلى آخره ، وبعين هذا المتن ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : أربعوا بفتح الباء الموحدة أي : ارفعوا ولا تبالغوا في الجهر ، وحكى ابن التين أنه وقع في رواية بكسر الباء ، وأنه في كتب أهل اللغة وبعض كتب الحديث بفتحها . قلت : الفتح هو الصحيح لأنه من الكلمة التي في لام فعله حرف حلق ولا يجيء مضارعه إلاَّ بفتح عين الفعل . قوله : أصم ويروى : أصماً ، ولعله لمناسبة : غائباً . قوله : ولا غائباً قال الكرماني : فإن قلت : المناسب ، ولا أعمى ، وقلت : الأعمى غائب عن الإحساس بالبصر والغائب كالأعمى في عدم رؤية ذلك المبصر ، فنفى لازمه ليكون أبلغ وأعم ، وزاد : القريب ، إذ رب سامع وباصر لا يسمع ولا يبصر لبعده عن المحسوس ، فأثبت القريب لتبين وجود المقتضى وعدم المانع ، ولم يرد بالقرب قرب المسافة لأنه تعالى منزه عن الحلول في مكان بل القرب بالعلم أو هو مذكور عل سبيل الاستعارة . قوله : كنز أي : كالكنز في نفاسته . أو قال شك من الراوي أي : ألا أدلك على كلمة هي كنز بهذا الكلام . وقال ابن بطال : في هذا الحديث : نفي الآفة المانعة من السمع ، والآفة المانعة من البصر وإثبات كونه سميعاً بصيراً قريباً مستلزم أن لا يصح أضداد