العيني

46

عمدة القاري

الأمور ، وأرادوا القتال بسببه وأن لا يردوا أبا جندل ولا يرضون بالصلح . قوله : وما وضعنا سيوفنا على عواتقنا جمع عاتق . قوله : إلى أمر يفظعنا بضم الياء وسكون الفاء وكسر الظاء المعجمة أي : يخوفنا ويهولنا ، قاله الكرماني ، وقال ابن الأثير : أي يوقعنا في أمر فظيع أي : شديد شنيع وقد فظع يفظع فهو مفظع ، وفظع الأمر فهو فظيع . وقال الجوهري : وأفظع الرجل ، على ما لم يسم فاعله ، أي : نزل به أمر عظيم ، وأفظعت الشيء واستفظعته وجدته فظيعاً . قوله : ألا أسهلن بنا أي : أفضين بنا إلى سهولة يعني السيوف أفضين بنا إلى أمر سهل نعرفه خبراً غير هذا الأمر أي : الذي نحن فيه من هذه المقاتلة في صفين ، فإنه لا يسهل بنا ، وفي رواية الكشميهني بها وقال بعضهم إلاَّ أسهلن أي : أنزلتنا في السهل من الأرض أي : أفضين بنا وهو كناية عن التحول من الشدة إلى الفرج . قلت : هذا معنى بعيد على ما لا يخفى على المتأمل . قوله : قال : وقال أبو وائل أي : قال الأعمش : قال أبو وائل المذكور : شهدت صفين وبئست صفون أي : بئست المقاتلة التي وقعت فيها . وإعراب هذا اللفظ كإعراب الجمع كقوله تعالى : * ( كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الاَْبْرَارِ لَفِى عِلِّيِّينَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ ) * والمشهور أن يعرب بالنون ويكون بالياء في الأحوال الثلاث ، تقول : هذه صفين برفع النون ورأيت صفين ومررت بصفين بفتح النون فيهما ، وكذلك تقول في قنسرين وفلسطين ونبرين ، والحاصل أن فيها لغتين : إحداهما : إجراء الإعراب على ما قبل النون وتركها مفتوحة كجمع السلامة . والثانية : أن يجعل النون حرف الإعراب كما ذكرنا ، ووقع في رواية أبي ذر : شهدت صفين وبئست صفين ، وفي رواية النسفي : وبئست الصفون ، بالألف واللام وهو لا ينصرف للعلمية والتأنيث ، والمشهور كسر الصاد وقيل : جاء بفتحها أيضاً . 8 ( ( بابُ ما كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الوَحْيُ فَيَقُولُ : ( لا أدْرِي ) أوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ ، ولَمْ يَقُلْ بِرَأيٍ ولا بِقِياسٍ لِقَوْلِهِ تعالى : * ( إِنَّآ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَآ أَرَاكَ اللَّهُ وَلاَ تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً ) * ) ) أي : هذا باب في بيان ما كان النبي ، الخ . قوله : يسأل على صيغة المجهول . قوله : لا أدري قال الكرماني : فيه حزازة حيث قال : لا أدري ، إذ ليس في الحديث ما يدل عليه ولم يثبت عنه ، ذلك . وقال بعضهم : هو تساهل شديد منه لأنه أشار في الترجمة إلى ما ورد في ذلك ولكنه لم يثبت عنده منه شيء على شرطه ، ثم ذكر حديث ابن مسعود : من علم شيئاً فليقل به ، ومن لم يعلم فليقل : الله أعلم وذكر حديث ابن عمر : جاء رجل إلى النبي ، فقال : أي البقاع خير ؟ قال : لا أدري ، فأتاه جبريل ، عليه السلام ، فسأله فقال : لا أدري ، فقال : سل ربك ، فانتفض جبريل انتفاضة وحديث أبي هريرة أن رسول الله ، قال : ما أدري الحدود كفارة لأهلها . انتهى . قلة نسبة الكرماني إلى التساهل الشديد تساهل أشد منه لأن قوله : ليس في الحديث ما يدل عليه ، صحيح . وقوله : ولم يثبت عنه ذلك ، أيضاً صحيح لأن مراده أنه لم يثبت عنده ، فإذا كان كذلك فقول البخاري : لا أدري ، غير واقع في محله . قوله : ولم يقل برأي ولا قياس قال الكرماني : قيل : لا فرق بينهما وهما مترادفان ، وقيل : الرأي هو التفكر ، أي : لم يقل بمقتضى العقل ولا بالقياس ، وقيل : الرأي أعم لتناوله مثل الاستحسان ، وقال المهلب ما حاصله الرد على البخاري في قوله : ولم يقل برأي ولا قياس لأن النبي ، قد علم أمته كيفية القياس والاستنباط في مسائل لها أصول ومعان في كتاب الله عز وجل ليريهم كيف يصنعون فيما عدموا فيه النصوص ، والقياس هو تشبيه ما لا حكم فيه بما فيه حكم في المعنى ، وقد شبه ، الحمر بالخيل فقال : ما أنزل الله عليّ فيهما بشيء غير هذه الآية الفاذة الجامعة * ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ) * وقال للتي أخبرته : إن أباها لم يحج : أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضيته ؟ فالله أحق بالقضاء . وهذا هو عين القياس عند العرب ، وعند العلماء بمعاني الكلام ، وأما سكوته ، حتى نزل الوحي فإنما سكت في أشياء معضلة ليست لها أصول في الشريعة ، فلا بد فيها من اطلاع الوحي ، ونحن الآن قد فرغت لنا الشرائع وأكمل الله الدين فإنما ننظر ونقيس موضوعاتها فيما أعضل من النوازل . قوله : لقوله : * ( بما أراك الله ) * أي : لقول الله تعالى ، ويروى : هكذا لقول الله ، وهو رواية